IMG 20250114 WA00527 780x470 2

مع اقتراب موعد انتخابات الأندية الرياضية، يتجدد المشهد التقليدي الذي اعتاد عليه الوسط الرياضي المصري كل أربعة أعوام. صفوف طويلة من المرشحين، قوائم تحمل أسماء لامعة، ووعود تتدفق بغزارة، وابتسامات لا تغيب عن الصور والمنشورات. لكنّ ما يبدو احتفالًا ديمقراطيًا في ظاهره، يخفي في طياته تساؤلات جادة وأحيانًا مؤلمة: هل ما زالت هذه الانتخابات وسيلة حقيقية للتطوير؟ أم تحولت إلى مناسبة لتوزيع النفوذ والمصالح؟ والأهم من ذلك: أين موقع أعضاء الجمعية العمومية من كل ما يحدث؟ وهل لا يزال صوتهم له نفس الوزن، أم تراجع دوره لصالح من يملكون المال والتأثير؟أنا لست
الانتخابات في الأندية المصرية خرجت – في كثير من الأحيان – من عباءة التنافس الشريف، ودخلت ساحات المعارك. معارك لا تُدار بالبرامج، بل تُغذى بالإشاعات، والمصالح، والحسابات الشخصية. لم تعد البرامج الانتخابية هي البطل، بل البوستات الجذابة، واللقاءات العامة التي تهدف لجمع أكبر عدد ممكن من “الأنصار”، لا لنقاش حقيقي حول مستقبل النادي.

يبدأ بعض المرشحين حملاتهم كما لو كانوا يستعدون لدخول حلبة ملاكمة، يركزون على “إسقاط الخصم” لا تقديم رؤية. يتصدر البعض المشهد مستخدمًا أدوات التأثير السريعة: حفلات، دعايا مكثفة، ووعود خدمية قد تُلبّى قبل الانتخابات بأسابيع، لكنها تختفي بعدها كما لو كانت لم تكن. وفي المقابل، يختفي مضمون البرامج، وتتراجع النقاشات الجادة، ويُهمّش أصحاب الرؤى الذين لا يملكون “الضجيج”.

وهنا، يتجلى دور أعضاء الجمعية العمومية. لكنّ هذا الدور، في كثير من الحالات، لا يُمارس بالشكل الذي يليق بثقل العضو وصوته. فالعضو الذي يُفترض أنه صاحب القرار، يصبح – دون أن يدري – أداة في معادلة لا يملك زمامها بالكامل. بعض الأعضاء يذهب إلى التصويت دون أن يقرأ برنامجًا، أو يحضر ندوة، أو يتابع تاريخ المرشحين. تُحركه المجاملة، أو الصلة الاجتماعية، أو حتى وعد شخصي بخدمة معينة. والبعض الآخر، وإن كان أكثر وعيًا، يكتفي بدور الناقد بعد فوات الأوان، دون أن يتحرك لتصحيح المسار خلال فترة المجلس.

المرشحون أنفسهم يتحملون جزءًا كبيرًا من المسؤولية. فهناك من يظهر فقط في موسم الانتخابات وكأن ارتباطه بالنادي موسمي، لا علاقة مستمرة. وهناك من يرى أن النجاح الانتخابي لا يتحقق إلا بالولائم والظهور الإعلامي، متناسيًا أن العضو لا يحتاج فقط إلى مَن يبتسم له، بل إلى من يملك القدرة على صناعة الفارق الحقيقي في مستقبل النادي.

أما الأخطر، فهو أن الانتخابات في بعض الأندية أصبحت تُدار كما تُدار الحملات السياسية في بيئات غير صحية: شعارات بلا مضمون، واتهامات متبادلة، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لا هدف لها سوى الإسقاط والتشويه. وهي ممارسات تُفرغ التجربة الانتخابية من مضمونها، وتحولها إلى “معركة كراسي”، لا مشروعًا لإدارة مؤسسة رياضية لها دور مجتمعي وثقافي وتربوي لا يقل أهمية عن دورها الترفيهي.

فما الحل؟الحل لا يمكن أن يأتي من الأعلى فقط. يجب أن يبدأ من قلب الجمعية العمومية نفسها. فلا نهضة بدون وعي، ولا تطوير بدون إدراك للدور الحقيقي لكل عضو. على كل عضو أن يدرك أنه ليس مجرد رقم يُضاف إلى نسبة الحضور المطلوبة، بل هو شريك حقيقي في صناعة القرار، يملك صوتًا قادرًا على التغيير.

يجب أن يُعاد الاعتبار للبرامج الانتخابية. لا بد أن تُناقش بشكل علني، وموضوعي، وممنهج، لا أن تظل شعارات تملأ المنشورات وتُنسى بعد الفوز. ويجب على الأعضاء أن يطالبوا بعرض خطط المرشحين بالتفصيل، وأن تكون هناك آليات لمتابعة تنفيذ هذه الخطط بعد انتخاب المجلس. فالمحاسبة لا تبدأ فقط بعد انتهاء الدورة، بل من أول يوم في العمل.

الأعضاء أيضًا مسؤولون عن رفض التجاوزات مهما كان مصدرها. عليهم أن يرفضوا الرشاوى الانتخابية المقنّعة، وأن يتصدوا لأي محاولة لتزييف الوعي أو التأثير على إرادتهم. وعليهم أن يسألوا أنفسهم: هل هذا المرشح يملك القدرة على تنفيذ ما يقول؟ أم أنه مجرد وجه مألوف نعرفه ونجامله؟ هل برنامجه واضح ومكتوب ومحدد بزمن وتكلفة؟ أم أنه مليء بالكلمات الفضفاضة التي لا تترجم إلى فعل؟

كما يجب أن تتحمل الجهات المسؤولة عن الرقابة على الانتخابات دورها بجدية، وأن تتعامل مع الانتخابات كاستحقاق ديمقراطي حقيقي، لا مناسبة احتفالية تُترك تفاصيلها لـ”المحليات”. ويجب أن يكون هناك تقارير دورية تُنشر لأعضاء الجمعيات العمومية حول أداء المجالس المنتخبة، ومدى التزامها بما تعهدت به.

الوعي هو كلمة السر. فالصناديق وحدها لا تكفي لصناعة التغيير، بل ما نضعه فيها من اختيارات هو الذي يصنع الفرق. الاختيار الخاطئ ليس مجرد “غلطة”، بل هو أربع سنوات من الفرص الضائعة، ومن القرارات التي قد تؤثر على أجيال قادمة.

وفي النهاية…
الانتخابات ليست نهاية المطاف، بل هي نقطة البداية لمشوار طويل من العمل والمحاسبة. ومن حق كل عضو أن يحلم بنادٍ أفضل، لكن لا بد أن يكون الحلم مبنيًا على أسس سليمة. الكلمة في يد الجمعية العمومية، فإما أن تكون حاسمة واعية، أو أن تستمر المعاناة تحت شعار “اخترناهم… فليتحملوا النتيجة”.

وإذا كنا نطمح في مواجهة حقيقية للفساد، فلا بد أن يتحول الأعضاء من متفرجين إلى صانعي قرار. عليهم أن يراقبوا الأداء لا الأشخاص، وأن يرفضوا كل أشكال التلاعب أو المحاباة أو تضارب المصالح. عليهم أن يطالبوا بالشفافية في العقود والمناقصات والموازنات، وأن يستخدموا حقهم القانوني في طلب المعلومات، وعقد جمعيات طارئة إذا لزم الأمر.

مواجهة الفساد لا تكون بالشعارات، بل بإصرار حقيقي على أن يكون النادي ملكًا للجميع، لا لحفنة من المنتفعين. وإذا كان الفساد ينمو في بيئة الصمت، فإن الصراحة، والمراقبة، والمساءلة، هي أدوات الإصلاح الحقيقي.
فلنجعل من الجمعية العمومية قوة رقابية لا شكلية، ودرعًا يحمي مستقبل أنديتنا، لا مجرد أداة انتخابية تُستَخدم كل أربع سنوات، ثم تُنسى بعدها

Share