تمر الأمم في تاريخها بمراحل حرجة تشهد فيها المؤسسات السياسية اختبارات مصيرية، وقد تتعرض هذه المؤسسات لاهتزازات تفقدها ثقة الشعب، وهو ما يُعد أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة. فالشرعية الشعبية ليست مجرد صفة قانونية، بل هي الأساس الذي يقوم عليه الاستقرار السياسي والاجتماعي. وفي السياق الراهن، شهدت الساحة السياسية جدلًا واسعًا حول الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وما رافقها من اتهامات بضعف التنافسية، وسيطرة رأس المال، وغياب المعايير التي تضمن انتخابات حرّة تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين.
لقد خرجت أصوات عديدة، من بينها أصوات وطنية غيورة على البلد ومستقبله، لتحذّر من أن هذه الانتخابات لن تمرّ مرور الكرام، وأن مشروع البرلمان الجديد سيظل نقطة اشتعال قد تفتح أبوابًا من الأزمات أكثر مما تغلق من الثغرات. وما بين من يرى أن المجلس فقد شرعيته قبل أن يبدأ، ومن يعتقد أن المشهد قابل للإصلاح، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن لبرلمان يفتقد الرضا الشعبي أن يقود البلاد نحو مستقبل أفضل؟
الشرعية السياسية ليست مجرد نتيجة إعلان فوز مجموعة من المرشحين، بل هي منظومة كاملة تبدأ من عدالة المنافسة وتمرّ عبر نزاهة العملية الانتخابية وتنتهي بـ قبول الشعب بالنتائج.
وحتى لو كان هناك حكم قضائي يراقب بعض الجوانب القانونية، فإن الشرعية الحقيقية التي تمنح البرلمان قوته وقدرته على التشريع والرقابة لا تأتي إلا من المواطن. فإذا شعر الشعب أن البرلمان يمثل السلطة والمال أكثر مما يمثل إرادته، وأن المقاعد تُشترى ولا تُكتسب، فإن الثقة تتلاشى، وتبدأ شرعية المؤسسة بالتآكل.
وقد حذّرت كثير من الأصوات وكنا أولها قبل الانتخابات من أن المال السياسي سيكشف عن نفسه في لحظة الحقيقة، وأن السماح بسيطرة فئات معينة على المشهد سيقود إلى برلمان منفصل عن الناس وهمومهم.
لطالما كانت مشكلة المال السياسي واحدة من أكبر التهديدات لأي تجربة ديمقراطية. فحين تتدخل السلطة المالية في تشكيل السلطة التشريعية، تصبح العملية الانتخابية أقرب إلى منافسة تجارية منها إلى منافسة سياسية.
لقد شهدت الانتخابات الأخيرة وفق ما يؤكده الرأي العام حملات إنفاق ضخمة، وحالة من التشكيك في مصادر التمويل، إضافة إلى تداول واسع لقصص عن شراء أصوات أو استغلال حاجات الفئات البسيطة. حتى لو لم تثبت كل رواية، فإن مجرد انتشار هذه الانطباعات يفقد العملية مصداقيتها.
عندما يتزوج رأس المال بالسلطة التنفيذية أو بقوى نافذة، تتحول الانتخابات إلى منصة لإعادة إنتاج النفوذ، وليس لاختيار ممثلين عن الشعب. ويشعر المواطن حينها أن البرلمان لن يكون صوت الناس، بل صوت شبكات المصالح.
من أبرز الانتقادات الراسخة أن الانتخابات لم تشهد تنافسًا حقيقيًا، بل اعتمدت إلى حد كبير على قوائم مغلقة مطلقة، وهو نظام يراه كثيرون أقرب إلى التعيين المقنّع. فالمواطن لا يختار أسماء محددة، بل يُفرض عليه التصويت لقائمة كاملة دون خيار انتقاء.
ومن هنا يبرز التساؤل الكبير:
كيف يمكن لقائمة تفوز بنسبة 5% فقط أن تمثل إرادة شعب؟
كيف يمكن لمنطقة تُعاد فيها الانتخابات الفردية أن تُقبل نتائج قائمتها كما لو لم يحدث شيء؟
فالناخب الذي صوّت للفردي صوّت أيضًا للقائمة، ما يعني أن الخلل الذي استوجب إعادة الانتخابات يجب أن يشمل شقّ القائمة أيضًا، أو على الأقل يستدعي إعادة النظر في شرعية النتيجة.
لم تنتظر الأصوات الوطنية أحكام المحاكم كي تحذّر من خطورة المشهد. فالمراقبون للشأن السياسي كانوا يدركون أن الظروف الاقتصادية الصعبة، واحتقان الشارع، وتراجع الثقة بين المواطن وصانع القرار، كلها عوامل تجعل أي خطأ في العملية الانتخابية بمثابة شرارة قد تشعل بركانًا خامدًا.
هذا البرلمان، إذا تشكّل، سيكون مصدر أزمة وليس مصدر حلول.
لماذا؟
لأنه لا يمثل توازنًا حقيقيًا للكفاءات، ولا يمتلك شرعية شعبية قوية، ولأن نسبة كبيرة من المواطنين تشعر بأنه برلمان أصحاب المال ورجال الأعمال والمسؤولين الذين يجلسون تحت قبة التشريع ليصفقوا للحكومة بدلًا من مراقبتها.
هناك مجالس يُولد معها الأمل، وهناك مجالس تُولد معها المشكلة. وفي الحالة الحالية، يرى كثيرون أن الأزمة بدأت قبل أن يؤدي النواب اليمين. فالشعب – وعلى خلاف السنوات السابقة – لم يُظهر حماسًا أو اهتمامًا بالنتائج، بل أظهر غضبًا ورفضًا.
والناس لا ينسون بسهولة، ولا يُمحى من ذاكرتهم مشهد شراء الأصوات أو استغلال فقر البسطاء. والأسوأ أن بعض تلك الفئات التي باعت أصواتها – بحسب روايات منتشرة – ستكون أول من يثور حين تكتشف أن من اختارته لا يدافع عن مصالحها ولا يُصلح واقعها.
إن تشكيل مجلس يفتقد التأييد الشعبي قد يؤدي إلى حالة من الاحتقان السياسي، تشبه نارًا تحت الرماد، تنتظر فقط نسمة هواء كي تشتعل.
لم يكن مطلب إلغاء العملية الانتخابية مجرد ردّ فعل عابر، بل أصبح لدى قطاعات واسعة مطلبًا أساسيًا لإنقاذ الدولة.
ومن أبرز أسباب ذلك: غياب ثقة المواطن بالعملية الانتخابية، فعندما تصبح الانتخابات مجرد طقس شكلي، يفقد المواطن اهتمامه بها، ويشعر بأن النواب لا يعبرون عنه، وأن البرلمان أداة للنفوذ أكثر منه أداة للتغيير.
المواطن تحمّل فواتير اقتصادية قاسية، ومرّ بسنوات لا تقل صعوبة عن أزمات تاريخية. وفي خضم هذا الصراع اليومي مع ارتفاع الأسعار وتآكل الدخل، لا يتحمل مزيدًا من الصدمات السياسية.
والشعب يقول بوضوح: لا نريد مجلسًا يزيد الأعباء بدل أن يكون جزءًا من الحل.
كما أن القائمة المغلقة، رأس المال السياسي، التحالفات المشبوهة… كلها عوامل تجعل الانتخابات في نظر كثيرين غير قابلة للاستمرار.
وهناك إحساس عام بأن الدولة بحاجة إلى إصلاح سياسي لا يمكن أن يبدأ بهذا البرلمان. وأن الاستمرار في المسار ذاته سيعمّق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
والحل كما نرى في إلغاء الانتخابات الحالية وتأجيلها لمدة عام كامل، تُدرس فيه أخطاء الماضي، وتُطرح حلول جديدة، وتُبنى ثقة جديدة بين المواطن والدولة.
وإحالة كل حزب يثبت أنه تاجر بالكرسي النيابي إلى لجنة قانونية للتحقيق، فالبرلمان ليس شركة مساهمة، ولا منتدى للمصالح.
القائمة المطلقة أثبتت أنها تُقصي المعارضة وتفرض أسماء على الناخبين.
والحل في قوائم نسبية مفتوحة أو ترشح فردي تنافسي حقيقي.
وفتح ملفات التمويل الانتخابي، إذ يجب التحقيق في مصادر تمويل الحملات الانتخابية، ومحاسبة كل من اشترى الأصوات أو حاول شراءها، وفحص ذممهم المالية.
إبعاد رأس المال السياسي عن المشهد، فلا يمكن لدولة تبحث عن العدالة الاجتماعية أن تسمح بسيطرة رؤوس الأموال على المؤسسة التشريعية.
فتح المجال لجميع القوى الوطنية، الحزبية والمستقلة، لتقديم برامجهم دون قيود غير مبررة.
ويجب ألا ننسى أن من أكبر الانتقادات الموجّهة للنظام الانتخابي الحالي أنه يجعل البرلمان أقرب إلى تعيين منه إلى انتخاب.
القائمة المغلقة ليست إلا آلية لفرض نواب على دوائرهم.
بل إن بعض المقاعد المعيّنة تُستخدم – كما يرى كثيرون – لتوفير كتلة داعمة للحكومة داخل البرلمان، مما يحول المجلس إلى مجلس تصفيق بدلًا من مجلس رقابة وتشريع.
إن البرلمان الحقيقي لا يُدار بالولاء، بل بالكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل الناس.
وللحديث بقية.


