نسفت الحكومة كل وعودها السابقة بعدم رفع الأسعار خلال عام 2026، وخاصة أسعار الوقود، فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، وقبل ظهور أي تداعيات اقتصادية على الدول المتحاربة رفعت الحكومة أسعار الوقود بمقدار 3 جنيهات.
الحكومة بقيادة مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، راهنت على العوامل الخارجية ولديها يقين أن الحجج ستكون متاحة للتراجع على ما قطعته على نفسها سابقًا.
اختارت الحكومة أسهل الحلول وأسرعها ورفعت الأحمال على البشر، وكأنها تُدرك أن جيب المواطن مال خاص لها وليس له.
في مقالي السابق أشرت بوضوح إلى أن الحكومة ستبحث عن أي ظرف إقليمي أو دولي يمكن أن تستخدمه كحجة لزيادة الأسعار، وهو ما حدث بالفعل. فقد جاءت التوترات والحروب في المنطقة، خاصة الحديث عن الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لتكون الشماعة الجاهزة التي علّقت عليها الحكومة قرار رفع أسعار المحروقات.
الحقيقة التي يدركها المواطن البسيط قبل غيره هي أن رفع الأسعار أصبح سياسة متكررة وليست استثناءً طارئًا. فمع كل أزمة دولية أو توتر إقليمي أو حتى اضطراب اقتصادي عالمي، نجد القرار نفسه يتكرر: زيادة في أسعار الوقود، يعقبها مباشرة ارتفاع شامل في أسعار السلع والخدمات. وكأن المواطن أصبح الحلقة الأضعف التي يتحمل وحده نتائج كل الأزمات.
من المعروف اقتصاديًا أن الوقود ليس مجرد سلعة عادية، بل هو عنصر أساسي يدخل في تكلفة كل شيء تقريبًا. فحين ترتفع أسعار البنزين أو السولار، فإن ذلك لا يؤثر فقط على أصحاب السيارات، بل يمتد تأثيره إلى كل مفاصل الاقتصاد.
السولار على سبيل المثال هو الوقود الأساسي لسيارات نقل البضائع. وهذه السيارات هي العمود الفقري لحركة التجارة ونقل السلع بين المحافظات والأسواق. لذلك فإن أي زيادة في سعر السولار تعني تلقائيًا زيادة في تكلفة النقل، وبالتالي زيادة في سعر السلع الأساسية التي تصل إلى المواطن.
والنتيجة التي تتكرر في كل مرة هي أن الأسواق تشتعل بالأسعار الجديدة، بينما يقف المواطن حائرًا أمام موجة الغلاء التي لا تتوقف.
في كل مرة يتم فيها رفع أسعار الوقود، نسمع عن تحركات للمسؤولين والمحافظين لمتابعة الأسواق وضبط الأسعار. نرى جولات تفتيشية وتصريحات إعلامية تؤكد أن الحكومة لن تسمح باستغلال المواطنين.
لكن الواقع يقول إن هذه الجولات غالبًا ما تكون مجرد تمثيلية قصيرة العمر. فهي تبدأ مع القرار وتستمر يومين أو ثلاثة أو ربما أسبوعًا، ثم تختفي بعدها الرقابة تدريجيًا، ويعود التجار لرفع الأسعار كما يشاؤون.
لقد أصبحت هذه المشاهد مكررة لدرجة أنها لم تعد تقنع أحدًا. المواطن يعرف أن الأسعار سترتفع، ويعرف أن الرقابة ستغيب بعد فترة قصيرة، ويعرف أيضًا أنه سيكون في النهاية هو من يدفع الثمن.
المشكلة الحقيقية ليست فقط في رفع الأسعار، بل في غياب التوازن بين القرارات الاقتصادية وحماية الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع. فالمواطن محدود الدخل لا يملك رفاهية التكيف مع موجات الغلاء المتكررة.
كل زيادة في أسعار الوقود تعني بالنسبة له زيادة في أجرة المواصلات، وزيادة في أسعار الطعام، وزيادة في تكاليف الحياة اليومية. بينما يظل دخله ثابتًا أو يزيد بنسبة ضئيلة لا تتناسب مع حجم التضخم.
وهنا يصبح المواطن الفقير هو الضحية الحقيقية بين طرفين: حكومة تبحث عن زيادة مواردها بأي وسيلة، وتجار يستغلون الظروف لرفع الأسعار وتحقيق أرباح أكبر.
الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات كانت لافتة للنظر، ليس فقط بسبب توقيتها، ولكن أيضًا بسبب حجمها. فقد وصلت الزيادة في بعض الأنواع إلى نحو ثلاثة جنيهات دفعة واحدة، وهو رقم كبير إذا ما قورن بالزيادات السابقة.
الأمر لم يتوقف عند البنزين فقط، بل شمل أيضًا السولار، وهو الوقود الذي تعتمد عليه معظم وسائل نقل البضائع. وهذا يعني أن تأثير القرار لن يكون محدودًا، بل سيمتد ليشمل مختلف القطاعات الاقتصادية.
لذلك فمن الطبيعي أن يشعر المواطن بقلق شديد من النتائج التي قد تترتب على هذا القرار في الأيام والأسابيع القادمة.
الحقيقة أن الحكومة لا تحتاج في الواقع إلى حرب أو أزمة عالمية حتى ترفع أسعار الوقود. فالتجربة خلال السنوات الماضية تؤكد أن أسعار المحروقات يتم رفعها بانتظام تقريبًا، مرة أو مرتين كل عام.
وقد أصبح هذا الأمر أشبه بجباية سنوية مفروضة على المواطنين، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية أو استقرار الأسعار العالمية.
والدليل على ذلك أن آخر زيادة في أسعار المحروقات جاءت في وقت كان فيه سعر الدولار مستقرًا نسبيًا، كما كانت أسعار النفط العالمية مستقرة أيضًا. ومع ذلك تم اتخاذ القرار بالزيادة دون تردد.
واليوم يتم استخدام الحرب والتوترات الإقليمية كحجة جديدة لتبرير القرار، رغم أن النتيجة واحدة في كل الأحوال: زيادة جديدة يتحملها المواطن.
هنا يطرح المواطن سؤالًا بسيطًا لكنه في غاية الأهمية: إذا كانت الحرب هي السبب في رفع أسعار الوقود، فهل سيتم خفض الأسعار إذا انتهت الحرب وعادت الأوضاع إلى الاستقرار؟
الإجابة التي يعرفها الجميع للأسف هي: لا.
التجربة تقول إن الأسعار عندما ترتفع نادرًا ما تعود إلى ما كانت عليه. بل إن الزيادات تتراكم مع مرور الوقت حتى تصبح الأسعار الجديدة هي الوضع الطبيعي.
ولهذا يشعر المواطن بأن كل زيادة هي عبء دائم وليس مؤقتًا.
بعد أي زيادة في أسعار الوقود، يحدث أمر متوقع في الأسواق. بعض التجار يرفعون الأسعار فورًا، وبعضهم يمتنع عن البيع لفترة قصيرة انتظارًا لارتفاع الأسعار بشكل أكبر.
هذه الظاهرة تتكرر في كل مرة، ومع ذلك يبدو أن الحكومة لم تجد حتى الآن آلية فعالة للتعامل معها.
فبدلًا من اتخاذ إجراءات صارمة ضد الاحتكار أو التخزين المتعمد للسلع، يتم الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية والجولات الشكلية التي لا تغير كثيرًا في الواقع.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمنع استغلال التجار للمواطنين بعد زيادة أسعار الوقود؟
حتى الآن لا يبدو أن هناك خطة واضحة أو إجراءات رادعة يمكن أن تحد من هذا الجشع.
فالتجار لديهم مبررهم الدائم: ارتفاع تكلفة النقل والطاقة. والحكومة لديها مبررها: الظروف الاقتصادية العالمية.
أما المواطن، فلا يملك سوى أن يتحمل النتائج.
اختبار صبر الشعب
لقد أظهر الشعب المصري خلال السنوات الماضية قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل في مواجهة التحديات الاقتصادية. وقد تقبل كثيرًا من القرارات الصعبة على أمل أن تؤدي في النهاية إلى تحسين الأوضاع.
زيادة الأعباء بشكل متكرر دون وجود تحسن ملموس في مستوى المعيشة قد يؤدي إلى حالة من الإحباط والغضب بين المواطنين.
وهنا يصبح القرار الاقتصادي ليس مجرد إجراء مالي، بل قضية اجتماعية تمس استقرار المجتمع وثقة الناس في السياسات الحكومية.
الاستمرار في رفع أسعار الوقود بهذه الطريقة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة على الاقتصاد والمجتمع.
لذلك ربما يكون من الحكمة إعادة النظر في القرار الأخير، أو على الأقل اتخاذ إجراءات حقيقية لضبط الأسواق وحماية المواطنين من جشع بعض التجار، خاصة إذا هدأت الأمور ووقفت الحرب وتراجع سعر برميل البترول.
كما يجب البحث عن حلول اقتصادية مبتكرة لا تعتمد فقط على زيادة الأعباء على المواطن، بل على تحسين كفاءة الإنفاق، وتشجيع الإنتاج، ومكافحة الفساد والاحتكار.
وللحديث بقية