متى تتحرر اراضى الناس من قانون عفى عليه الزمن؟ حبس بيوت الغلابة وسرق عمرهم؟
في خضم الأزمة الاقتصادية الراهنة تتوالى القرارات الحكومية ومشروعات القوانين الجديدة إلا أن الملاحظ أن غالبيتها تصطدم بمصلحة المواطن بدلاً من أن تحققها. وهنا يثور تساؤل مشروع: هل تقوم الحكومة بدورها الأصيل في العمل لمصلحة المواطن الذي يشكل أساس وجود الدولة وبقاءها؟ أم أن دورها بات معاكساً لتطلعاته دائماً؟ فلم نشهد قانوناً واحداً منصفاً أو قراراً واحداً يخفف عن كاهل الناس، بل على العكس هناك قوانين راسخة منذ عقود تكرس الظلم وتعمق الفجوة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ “خط التنظيم”.
يمثل خط التنظيم أزمة مزمنة تضرب في صميم “مبدأ المساواة” الذي نص عليه الدستور صراحة فهناك شريحة واسعة من المواطنين محرومة من حق أصيل في البناء والسكن الآدمي ليس لخطأ ارتكبته وإنما لمجرد أن منازلها أو أراضيها وقعت داخل حرم “خط التنظيم” المرسوم منذ عقود على خرائط لم تعد تعبر عن الواقع. لقد ظلت هذه الفئة أسيرة لهذا الخط “لعقود” ترى بعينها الجانب المقابل من الشارع نفسه يحصل على رخص بناء ويقيم أبراجاً شاهقة بينما لا تستطيع هي وضع طوبة واحدة لتوسيع مسكن ضاق بأبنائها فأي منطق قانوني أو عدالة اجتماعية تقبل بأن يتحول شارع واحد إلى نموذجين متناقضين: جانب ينمو ويتطور، وجانب آخر مكبل لا يملك إلا النظر والانتظار؟
لا أحد ينكر أن الوطن يستحق من أبنائه التضحية لكن التضحية الحقيقية لا تكون “انتقائية” ولا تقع على طرف دون آخر. فعندما يُطلب من مواطن أن يصبر على “الحرمان” بينما ينعم جاره بكل مزايا الملكية والبناء فإن ذلك يخرج عن إطار المصلحة العامة ليصبح “قهراً صريحاً” إن المواطن الذي يرى أبناءه في حاجة إلى غرفة إضافية ولا يملك القدرة على تلبيتها في الوقت الذي يرى فيه جاره المقابل يستثمر ويؤجر ويوسع يشعر “بغبن” لا يمكن” تبريره” بأي قانون إذا كانت النية “صادقة” في خدمة المواطن فإن ملف “خط التنظيم” يجب أن يخرج فوراً من الأدراج التي أهملته “طويلاً” فهو قانون تجاوزته الأحداث ولم يعد يراعي المتغيرات السكانية والعمرانية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية الحل لا يحتاج إلى تعقيد، بل إلى إرادة حقيقية. أولاً،” إعادة صياغة” القانون بما “يسمح” بالبناء وفق اشتراطات هندسية وتنظيمية جديدة تحقق المصلحة العامة في توسيع الشوارع وتوفير المرافق دون أن تسحق في المقابل “حق المواطن” في “الانتفاع” بملكه ثانياً إرساء مبدأ التعويض العادل والفوري لأي عقار يثبت أنه يدخل ضمن نطاق المنفعة العامة وأن يكون التعويض وفقاً لأسعار السوق الحالية وليس وفقاً لتقديرات قديمة لا تعكس القيمة الحقيقية تطبيقاً لنصوص الدستور والقانون. ثالثاً، توفير بدائل مناسبة لمن لا يرغب في بيع عقاره أو أرضه، من خلال منح قطعة أرض بديلة في المدن الجديدة بمساحة مكافئة وموقع ملائم بحيث يضمن المواطن الاستفادة من ملكه بعد “سنوات طويلة” من “الحرمان”.
والمفارقة التي تؤكد الحاجة الملحة إلى “المراجعة” أن المشروعات القومية لشبكة الطرق الجديدة والتي نفذتها الدولة في مختلف المحافظات قد اقتطعت منازل وأراضٍ لم تكن تقع أصلاً ضمن “خط التنظيم” ومع ذلك تم تعويض أصحابها تعويضاً عادلاً فطالما أن مبدأ المصلحة العامة يطبق على الجميع ويقابله تعويض عادل، فلماذا “يستمر” العمل بقانون “خط التنظيم” بصورته الحالية التي تفرق بين مواطن وآخر في الشارع الواحد؟
وتثور هنا علامة استفهام كبرى؟ إذا كانت المصلحة العامة التي تذرعت بها الدولة عند تنفيذ مشروعات توسعات شبكة الطرق والمشروعات القومية الجديدة قد اقتضت “نزع ملكية” أراضٍ وعقارات لم تكن تقع أصلاً ضمن حرم “خط التنظيم” وتم تعويض أصحابها تعويضاً عادلاً فما المبرر إذن “للتمسك” بمنظومة “خط التنظيم” بصورتها الحالية؟ فطالما أن المصلحة العامة “لا تفرق” بين عقار يقع داخل الخط وآخر يقع خارجه عند تنفيذ المشروعات فالأولى أن يُسمح للمواطن المتضرر من “خط التنظيم” بالاستفادة من ملكه والبناء عليه “أسوة بغيره” في الوقت الراهن وحين تفرض المصلحة العامة مستقبلاً اقتطاع هذه العقارات والأراضي لأي مشروع جديد، فإن الدولة تجد عندها الأساس القانوني والدستوري للتعويض العادل الفوري ولا أعتقد أن المواطن سيمانع حينها، لأنه سيكون قد استفاد من ملكه لسنوات وسيأخذ “حقه كاملاً” حين تُنزع ملكيته للمنفعة العامة
إن تعديل قانون “خط التنظيم” وإنهاء حالة “الحرمان” التي طالت لسنوات سيكون خطوة “حقيقية” “تثبت” أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها وتعمل من “أجلهم” وعندها فقط يمكن القول إن القوانين والقرارات قد عادت إلى “مسارها الصحيح” الذي يخدم “الناس” ويحمي “حقوقهم” أما “استمرار” الوضع على ما هو عليه، فسيعني أن المواطن سيظل يدفع “وحده” ثمن الصبر “ويدفع” ثمن “قانون ظالم” لم يرتكبه سوى أن حظه العاثر أوقعه داخل حرم “خط التنظيم”.
فهل سنشهد قريباً تحرير المنازل والأراضي من سجن “خط التنظيم”؟ أم سيبقى السؤال معلقاً دون إجابة؟
وللحديث بقية