IMG 20260618 WA0228

بقلم: د. شيماء محسن عبد الحي خبيرة تمكين المرأة والتنمية المستدامه
منذ تولي فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة الدولة في منتصف عام 2014، شهد ملف تمكين المرأة المصرية تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، فلم يعد تمكين المرأة مجرد قضية اجتماعية أو مطلبًا حقوقيًا، وإنما أصبح ركيزة رئيسية في مشروع الدولة المصرية الحديثة، وأحد أهم محاور التنمية المستدامة وبناء الجمهورية الجديدة.
لقد انطلقت الدولة من رؤية واضحة تؤمن بأن المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي شريك أساسي في صناعة القرار، والتنمية الاقتصادية، وبناء الإنسان، وحماية الأسرة، وتحقيق الاستقرار المجتمعي. وترجمت هذه الرؤية إلى سياسات وتشريعات وبرامج ومبادرات انعكست بصورة ملموسة على مكانة المرأة المصرية داخليًا وخارجيًا.
الإرادة السياسية… البداية الحقيقية للتمكين
يؤكد المتابع لمسيرة الدولة المصرية أن الإرادة السياسية كانت العامل الحاسم في نقل ملف المرأة من مرحلة الشعارات إلى مرحلة التنفيذ. فقد أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2017 “عام المرأة المصرية”، وهي المرة الأولى التي يخصص فيها رئيس للجمهورية عامًا كاملًا للاحتفاء بالمرأة ودعم قضاياها، كما أُطلقت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، لتكون أول استراتيجية وطنية متكاملة لتمكين المرأة تتوافق مع أهداف التنمية المستدامة.
المرأة وصناعة القرار السياسي
شهدت الحياة السياسية طفرة غير مسبوقة في مشاركة المرأة.
فقد ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب إلى ما يقارب 27%، وهي أعلى نسبة في تاريخ الحياة النيابية المصرية، كما ارتفعت نسبة تمثيلها في مجلس الشيوخ بصورة ملحوظة، الأمر الذي عزز مشاركتها في مناقشة التشريعات وصنع السياسات العامة.
كما شهدت الحكومة المصرية زيادة ملحوظة في عدد الوزيرات، ووصلت نسبة تمثيل المرأة في بعض التشكيلات الوزارية إلى نحو 25%، مع تولي حقائب سيادية وخدمية وتنموية مهمة.
ولأول مرة في التاريخ المصري، تولت المرأة مناصب المحافظ ونائب المحافظ، كما توسع وجودها في رئاسة الهيئات والمجالس القومية والجامعات والجهات القضائية.
القضاء المصري يشهد تحولًا تاريخيًا
من أبرز الإنجازات التاريخية خلال هذه المرحلة، تعيين المرأة في جهات وهيئات قضائية كانت مغلقة أمامها لعقود، ومن بينها مجلس الدولة والنيابة العامة، وهو ما يمثل نقلة نوعية في مسيرة العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
كما ارتفع عدد القاضيات بصورة ملحوظة داخل مختلف الجهات القضائية، بما يعكس الثقة في كفاءة المرأة المصرية وقدرتها على تحمل المسؤولية.
التمكين الاقتصادي… استثمار في مستقبل الوطن
أكدت التجارب الدولية أن رفع مشاركة المرأة في الاقتصاد يؤدي إلى زيادة معدلات النمو وتحسين الإنتاجية، ولذلك أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بالتمكين الاقتصادي.
فتم التوسع في برامج الشمول المالي، وارتفعت نسبة امتلاك السيدات للحسابات البنكية والخدمات المالية الرقمية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2014، كما توسعت برامج التمويل متناهي الصغر التي استفادت منها ملايين السيدات، خاصة في الريف والمناطق الأكثر احتياجًا.
وساهم جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة في تمويل آلاف المشروعات المملوكة للمرأة، إلى جانب برامج التدريب وريادة الأعمال، وهو ما وفر فرص عمل جديدة وساعد على تحسين دخول الأسر.
المرأة والحماية الاجتماعية
شهدت مصر توسعًا كبيرًا في برامج الحماية الاجتماعية، وكانت المرأة في مقدمة المستفيدين منها.
فاستفادت ملايين السيدات من برامج الدعم النقدي مثل “تكافل وكرامة”، إضافة إلى برامج التمكين الاقتصادي للمرأة المعيلة، ومبادرات تحسين مستوى المعيشة في القرى ضمن المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”، التي غيرت واقع الريف المصري من خلال تطوير البنية الأساسية والخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية.
ثورة في صحة المرأة المصرية
أطلقت الدولة مبادرة رئيس الجمهورية لدعم صحة المرأة المصرية، والتي قدمت خدمات الكشف المبكر عن سرطان الثدي والأمراض غير السارية لملايين السيدات في مختلف المحافظات، مع توفير العلاج والمتابعة بالمجان، لتصبح واحدة من أكبر المبادرات الصحية الموجهة للمرأة في المنطقة.
كما شهدت خدمات صحة الأم والطفل تطورًا كبيرًا، وانخفضت معدلات وفيات الأمهات مقارنة بسنوات سابقة، وتحسنت مؤشرات الرعاية الصحية للمرأة.
المرأة والتعليم وبناء القدرات
أدركت الدولة أن التمكين يبدأ بالتعليم، لذلك توسعت في برامج تدريب المرأة، ودعم التعليم الفني، وتشجيع الفتيات على دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إلى جانب الاهتمام بالتحول الرقمي وتنمية المهارات المستقبلية.
وأصبحت المرأة المصرية أكثر حضورًا في الجامعات، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي.
مكافحة العنف ضد المرأة
شهدت السنوات الأخيرة تطويرًا للتشريعات والسياسات الخاصة بحماية المرأة، مع تعزيز آليات الإبلاغ والدعم النفسي والقانوني، وإطلاق حملات توعية واسعة لمناهضة جميع أشكال العنف والتمييز، بما يعزز بيئة أكثر أمانًا وعدالة للمرأة المصرية.
المرأة والتنمية المستدامة
اليوم تشارك المرأة المصرية في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، وفي قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة والتعليم والصحة والاتصالات، وأصبحت عنصرًا فاعلًا في تحقيق رؤية مصر 2030، بما يعكس التحول من مفهوم “تمكين المرأة” إلى مفهوم “الشراكة الكاملة في التنمية”.
قراءة تحليلية
إن ما تحقق منذ عام 2014 لا يمكن قياسه بعدد المناصب أو المؤشرات فقط، بل يقاس أيضًا بتغير الثقافة المؤسسية، واتساع مساحة مشاركة المرأة في صنع القرار، وتعزيز ثقة المجتمع في قدراتها، واعتبارها شريكًا رئيسيًا في بناء الدولة الحديثة.
ورغم هذه الإنجازات، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار العمل على زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتعزيز تمثيلها في القطاع الخاص، ودعم رائدات الأعمال، والتوسع في برامج التدريب الرقمي، وتمكين المرأة الريفية وذوات الإعاقة، بما يحقق تنمية أكثر شمولًا واستدامة.
خاتمة
لقد أثبتت التجربة المصرية منذ عام 2014 أن الاستثمار في المرأة هو استثمار في مستقبل الوطن. وأصبحت المرأة المصرية اليوم أكثر حضورًا وتأثيرًا في مختلف المجالات، بفضل رؤية استراتيجية جعلت تمكينها جزءًا لا يتجزأ من مشروع الدولة للتنمية الشاملة.
وإذا كانت الأرقام تعكس حجم الإنجازات، فإن الأثر الحقيقي يتمثل في بناء أجيال جديدة من النساء القادرات على القيادة والإبداع والمشاركة الفاعلة في صنع مستقبل مصر، بما يرسخ مكانة الدولة إقليميًا ودوليًا، ويؤكد أن تمكين المرأة ليس هدفًا مستقلًا، بل هو مدخل أساسي لتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي. وتُظهر المؤشرات الرسمية تحسنًا في تمثيل المرأة سياسيًا وتوسعًا في المبادرات الموجهة لتمكينها منذ عام 2014، مع استمرار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030.

Share