الكاتب الصحفي و رئيس التحرير إبراهيم العمدةالكاتب الصحفي و رئيس التحرير إبراهيم العمدة

أسوأ المتشائمين من التعديل الوزاري الأخير لم يكن يريد أن يستمر مصطفى مدبولي في منصبه رئيسًا للوزراء.
المواطن ينتظر تغييرًا حقيقيًا في الأداء الحكومي والسياسات العامة يعيد إليه بعضًا من الأمل المفقود، فوجئ الجميع بإعلان التشكيل الوزاري الجديد الذي جاء، في مفارقة غير مسبوقة، برئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلفًا لمصطفى مدبولي، وكأن الدولة تقول للمواطنين صراحة: لا جديد.
هذا التشكيل مجرد استبدال أسماء فقط، بل هو بمثابة صفعة جديدة على وجه الشارع المصري الذي كان يعوّل على أن المرحلة المقبلة ستشهد انفراجة سياسية واقتصادية، بعد صدمة الانتخابات البرلمانية الأخيرة وما خلفته من مشاعر إحباط واستياء عام. لكن المفارقة أن الأمل الأخير في تغيير الحكومة تبدد بإعلان تشكيل الحكومة ومعرفة أسماء الوزراء.
من يتابع نبض الشارع اليوم، يلمس بوضوح حالة انعدام الثقة بين المواطن والحكومة، ليس فقط بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار، بل بسبب الإحساس العام بأن القرارات تُتخذ بمعزل تام عن الناس.
كان المواطن يتمنى حكومة جديدة تحمل رؤية مختلفة، تُعيد ترتيب الأولويات وتفتح قنوات حقيقية للتفاعل مع الناس، لا حكومة تُعيد نفس الوجوه التي أثبتت فشلها في إدارة ملفات معقدة مثل التعليم والصحة والاستثمار والإدارة المحلية.
أخطر ما في هذه الحالة ليس بقاء الوزراء أنفسهم، بل بقاء النهج ذاته الذي لم يحقق أي نجاح ملموس، بل عمّق الأزمات وخلق فجوة نفسية خطيرة بين الدولة ومواطنيها.
التشكيل الوزاري الجديد، في جوهره، لم يكن سوى تعديل شكلي محدود، لم يمس جوهر المشكلات، ولم يقدم رؤية متكاملة لما يمكن أن تكون عليه مصر في المرحلة المقبلة.
من الناحية السياسية، التغيير الذي كان منتظرًا هو تغيير في فلسفة الإدارة، لا في الأسماء، بمعنى أن المواطن لم يكن يطالب بتبديل الكراسي، بل بتبديل العقلية التي تدير الدولة. أما من الناحية الاقتصادية، فكان الأمل في أن تأتي حكومة جديدة تمتلك الجرأة على مراجعة السياسات المالية والنقدية التي أثقلت كاهل المصريين، وأوصلت قطاعات واسعة إلى حافة الانهيار المعيشي.
لكن بدلاً من أن يتحقق ذلك، عاد مدبولي ليقود الحكومة مرة أخرى، ليُعيد إنتاج نفس المنظومة التي فقدت الشارع. فهل يعقل أن من كان سببًا في الأزمة يصبح هو نفسه المنقذ منها؟

حين أعلن القرار الرسمي بإعادة تكليف مدبولي، سادت موجة من السخرية الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، تلخّصت في عبارة: مدبولي خلفًا لمدبولي… والنتيجة: لا جديد، فقط مزيد من العجز.”
كما جاء التشكيل الوزاري الجديد بعد أسابيع قليلة من الانتخابات البرلمانية التي وُصفت بأنها واحدة من أكثر اللحظات إحباطًا في التاريخ السياسي الحديث، بسبب غياب المنافسة الحقيقية، وضعف تمثيل القوى المستقلة، وعودة مشهد “البرلمان الصامت”.
كان الأمل الشعبي أن يُعوّض التشكيل الوزاري هذه الصدمة، وأن يقدم وجوهًا قادرة على كسر الجمود السياسي. لكن العكس هو ما حدث، إذ تحوّل التشكيل إلى نكسة ثانية، أكملت ما بدأه البرلمان من إجهاض للآمال.
هكذا اجتمع “البرلمان الصامت” و”الحكومة المكررة” في مشهد واحد عنوانه: الاحتقان العام وعودة الإحباط إلى الشارع المصري.
الوزير الغامض… وأسئلة بلا إجابات
في كل تشكيل وزاري، تُثار علامات استفهام حول بعض الوزراء، لكن هذه المرة كانت الأسئلة أكبر من أي وقت مضى. فقد تم الإبقاء على وزراء تحوم حولهم اتهامات بالمحسوبية، وسوء الإدارة، وتضارب المصالح، في حين تم استبعاد آخرين دون تفسير واضح.
هذه العشوائية في الاختيار تعكس غياب معيار الكفاءة والمساءلة، وتؤكد أن التغيير في مصر لا يزال يدور في دائرة مغلقة لا ترى إلا الوجوه المألوفة، بغض النظر عن الأداء أو النتائج.
ومن بين أكثر الوزراء إثارة للجدل، يبرز وزير التربية والتعليم الذي تم تجديد الثقة فيه رغم الجدل الكبير الذي أثير حول شهادة الدكتوراه الخاصة به والتي تبيّن لاحقًا عدم صحتها من إحدى الجهات الأكاديمية الأجنبية.
هذه الفضيحة لم تكن مجرد قضية شخصية، بل كشفت عن خلل عميق في منظومة التعيين والمحاسبة داخل الدولة. كيف يمكن أن يُكلف شخص بإصلاح التعليم وهو نفسه موضع شك في مؤهلاته الأكاديمية؟
الأدهى من ذلك أن الحكومة لم تصدر أي بيان توضيحي، وكأن شيئًا لم يحدث، ما عمّق شعور الناس بأن الشفافية ليست ضمن قاموس السلطة التنفيذية.
وزيرة الإسكان أيضًا عليها علامات استفهام وسبق أن أعادت أموالًا للتصالح بقرار من النيابة العامة.
أما وزيرة ثقافة مدبولي فمتهمة بأقتباس محتوى كتاب نسبتها لنفسها دون وجه حق، والغريب أنها صادر ضدها حكم بالإدانة، ولديها درجة تقاضي في النقض وهي في الحقيقة لا توقف تنفيذ العقوبة الصادرة من المحكمة أي أنها مُدانة في عُرف القانون.
هل وصلنا لمرحلة أن يُطلب من الوزير فيش وتشبيه كالذي يطلب في إعلان الوظائف؟
وللحديث بقية

Share