في الليلة التي تسبق العيد بساعات، يفترض أن يكون الشارع مزدحماً بالفرحة والاستعداد. لكن ما يحدث أمام ماكينات الصرف يحكي قصة مختلفة تماماً.
عندما يصبح المرتب والمعاش اختبارا؟
منذ الفجر والناس مصطفة في طابور لا ينتهي، وجوه متعبة وعيون تراقب شاشة الماكينة كأنها تنتظر حكماً. أم تحاول تهدئة طفلها الذي لا يفهم لماذا تأخرت “الفلوس” ماكينة بعد أخرى والنتيجة واحدة السستم واقع وشاشة فارغة، وأمل يتآكل مع كل دقيقة انتظار. هذا المشهد لم يعد استثناء، صار جزءاً من طقوس العيد وطقوس قبض المرتب والمعاش.
والسؤال الذي يفرض نفسه، أين التعقيد في الأمر؟ العيد له تاريخ ثابت نعرفه قبلها بشهور، والمرتبات لها يوم محدد في الشهر، والمعاشات لها موعد لا يتغير. فالأزمة إذن ليست فنية ولا مفاجئة، هي إخفاق إداري في أبسط معاني المسؤولية. المسؤولية التي تقول إن حق المواطن في الوصول إلى ماله يجب أن يكون مضموناً، بلا مذلة وبلا انتظار يسرق اليوم كله. هذا المال ليس رفاهية، هو ثمن الخبز والدواء وأجرة البيت.
وسط هذا الضيق نسمع تبريراً يزيد المسافة بين المسؤول والناس. أحد الإعلاميين يقول على الشاشة استخدموا المحافظ الإلكترونية والبطاقات البنكية. كلام يصلح لورقة بحث، لكنه يصطدم بواقع من يعيش يوماً بيوم. يصطدم بالعامل الذي يقبض أجره نقداً، وبالسيدة التي تشتري من دكان الحي الذي لا يعرف إلا الكاش. لا أحد ضد التحول الرقمي، فهو طريق المستقبل، لكن لا يمكن أن نجعله حجة لتجاهل الحاضر. لا نطلب من الناس التخلي عن الورقة النقدية قبل أن نوفر لهم بديلاً يصل لكل بيت وكل شارع، لا للنصف الميسور فقط.
وحين تسقط الإدارة في اختبار صغير ومكرر، يصبح السؤال مشروعاً: كيف نطمئن لها في الاختبارات الكبرى التي لا موعد لها؟ المرتب والمعاش ليسا هبة ولا صدقة، هما حق مكتسب بعرق الناس. وتعطيل هذا الحق هو مساس مباشر بكرامتهم. الناس لا تبحث عن بيانات ولا عن وعود، تبحث عن ماكينة تعمل في وقت الحاجة، وعن محاسبة واضحة حين يحدث التقصير. وحتى يتحقق ذلك، ستظل طوابير الصرف هي الشهادة اليومية على فجوة لم ننجح بعد في سدها بين الدولة ومواطنيها.
وللحديث بقية