فى الحقيقة الدكتور أسامة الأزهرى وزير الأوقاف صاحب العمامة الكبيرة والحضور الإعلامى المكثف لم يعد يمر أسبوع دون أن يخرج علينا بقرار أو واقعة تشعل منصات التواصل الاجتماعى وتفتح باب الجدل أكثر مما هو مفتوح أصلاً من ضيق الناس بأوضاعهم المعيشية. وكأن الوزارة تحولت من بيت للعبادة إلى ساحة لاختبار ردود فعل الشارع كل يومين.
البداية كانت بلافتة ضخمة تحمل اسم وزير الأوقاف على واجهة مسجد السيدة زينب رضى الله عنها وأرضاها أثناء افتتاحه بعد أعمال الإصلاحات والتحديثات التى تمت مؤخراً. ولأول مرة فى تاريخ مصر نرى اسم مسؤول حكومى يوضع على مسجد له خصوصية ومكانة وجدانية عند المصريين جميعاً. مسجد السيدة زينب ليس مشروع إنشاءات ولا مركز شباب هو مقام ومزار وبيت من بيوت الله ارتبط بذاكرة الأجيال. لم يعتد الناس أن يروا لافتة باسم وزير على جدار المسجد ولم يفهموا الرسالة من ورائها. هل هو توثيق للإنجاز؟ أم دعاية شخصية؟ يومها لم تمر الواقعة مرور الكرام بل تحولت إلى مادة سخرية وغضب. وسأل الناس سؤالاً بسيطاً.. منذ متى والمساجد توضع عليها أسماء الوزراء؟
وبينما لم يلتئم ذلك الموقف. جاء قرار ثانٍ أثار دهشة أكبر إلغاء إذاعة التواشيح الدينية قبل الأذان. دقيقتان فقط. كانتا تفصلان بين صمت الليل وصوت الأذان. دقيقتان كانتا بمثابة تنبيه روحى خصوصاً قبل صلاة الفجر. صوت المبتهل يسبق المؤذن والبيوت تستعد. والقلوب تهدأ. كانت عادة مصرية خالصة لا تكلف الدولة شيئاً ولا تحتاج إلى ميزانية. لكن يبدو أن هاتين الدقيقتين كانتا ثقيلتين على وزير الأوقاف فقرر إلغاءهما. لا أحد فهم المبرر. هل هى ترشيد؟ هل هى توحيد خطاب؟ أم مجرد قرار إدارى صدر من مكتب بعيد عن نبض الناس؟ فى المقاهى قال أحدهم كنا بنقوم على صوت التوشيح دلوقتى بنقوم على الكلاكسات. وسيدة قالت الفجر بقى ناقص كأن اليوم بدأ من غير بركة.
ثم جاءت الواقعة الثالثة عبر فيديو متداول لمسابقة قرآنية يترأسها الوزير إلى جوار عدد من كبار الشيوخ. وخلال المسابقة طرح سؤالاً على المتسابقين.. ما هى الآية التى ذكر فيها حرف الشين ثلاث مرات وليس لها رابع؟ وأجاب الحاضرون بالنفى ليتدخل أحدهم ويقول فى آية رابعة يا سيادة الوزير. وبالفعل كانت هناك آية رابعة. الموقف قد يبدو بسيطاً خطأ فى سؤال. لكنه فى السياق العام بدا أكبر. كيف لوزير الأوقاف أن يخطئ فى معلومة قرآنية على الهواء؟ وكيف تمر مسابقة بهذا الحجم بلا مراجعة دقيقة؟ الناس لم تتناوله كزلة لسان. بل رأته دليلاً على فجوة بين من يصدرون القرارات ومن يعيشون تفاصيل الدين اليومية.
المشكلة ليست فى الأشخاص. المشكلة فى التراكم. لافتة على مسجد السيدة. إلغاء عادة عمرها عقود. خطأ فى مسابقة قرآنية تبث للملايين. كل واقعة وحدها يمكن تبريرها. لكن مجتمعة تعطى انطباعاً بأن هناك من يتعامل مع الملف الدينى كملف إدارى بحت. يخضع للتوفير وللشكل وللبروتوكول. بينما الناس تتعامل معه كملف وجدان وذاكرة وروح.
وهنا يخرج الصوت الأعلى فى الشارع. إن الأوان أن ترحل حكومة مصطفى مدبولى كلها. فشل وراء فشل. وديون وراء ديون. 13 عاماً يقولون إنها كانت كافية لإفقار مصر وإغراقها فى المديونية والقضاء على الطبقة الوسطى وتقسيم المجتمع إلى شعبين. شعب صغير جداً يعيش فى الساحل الشمالى. وشعب كبير اسمه الفقراء. الكلام قاسٍ. لكنه يعكس حجم الإحباط. الناس لم تعد تطيق قراراً جديداً يمس ما تبقى لها من تفاصيل بسيطة تمنحها بعض السكينة.
وجع المصريين زاد وطفح. لم يعد الغضب بسبب الأسعار فقط ولا بسبب الخدمات فقط. الغضب الآن لأن من المفترض أن وزارة الأوقاف هى وزارة الطمأنينة تحولت إلى مصدر إزعاج. الناس لا تطلب تعقيداً. تطلب أن تترك لها المسجد كما هو. بلا لافتات. وأن تترك لها صوت الفجر كما تعودت. وأن يكون من يتحدث باسم الدين على قدر المسؤولية.
كان يمكن لافتتاح مسجد السيدة زينب أن يكون مناسبة للتقارب لو خرج فى صورة روحية خالصة بلا لافتات ولا بروتوكولات. وكان يمكن لقرار التوشيح أن يطرح للحوار مع الأئمة والجمهور قبل أن يصدر. وكان يمكن للمسابقة القرآنية أن تكون نموذجاً للدقة والاحترام لكتاب الله. لكن ما حدث هو العكس. فخرجت القرارات فجائية وجافة. وخرجت الواقعة الأخيرة محرجة.
وزارة الأوقاف ليست وزارة خدمات فقط. هى وزارة وجدان. وعندما تمس الوجدان يصبح رد الفعل مضاعفاً. الناس لا تطلب من الوزير العصمة. لكنها تريد أن تشعر أنه يحترم كتاب الله ويوقره ويتعامل معه بحذر شديد. لا تريد أن ترى اسم مسؤول على جدار مسجد. تريد أن ترى اسم الله فقط. لا تريد أن توفر دقيقتين. تريد أن تكسب بهما قلوب المصلين.
السؤال الآن ليس عن نية الوزير. السؤال عن الإدارة. عن طريقة اتخاذ القرار. عن غياب استشارة أهل الخبرة وأهل المساجد قبل إصدار أى قرار يمس عادة أو طقساً. عن غياب التواصل مع الناس قبل أن يفاجئوا بقرار يلغى صوتاً تعودوا عليه منذ طفولتهم.
فى النهاية المساجد باقية والأذان باق. والقرآن باقٍ. لكن التفاصيل الصغيرة هى التى تصنع الفارق فى قلوب الناس. وعندما تتراكم التفاصيل الخاطئة يتحول الغضب من همس إلى صوت عالٍ. ورسالة الناس اليوم واضحة. كفى تجريباً فى المقدسات الصغيرة. كفى قرارات تصدر من فوق ولا تنزل إلى الأرض.
إذا كانت الوزارة تريد الإصلاح فليبدأ الإصلاح من احترام ما تعود عليه الناس. من إبقاء ما هو جميل. من الاعتذار عند الخطأ. ومن إدراك أن الدين عند المصريين ليس بنداً فى الموازنة. هو حياة يومية.
وللحديث بقية