تحتفل منظمة شنغهاي للتعاون هذا العام بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها. وعلى مدار الربع قرن الماضي، شهدت المنظمة تحولاً مؤسسياً عميقاً – من كونها آلية لبناء الثقة عبر الحدود في إطار “مجموعة شنغهاي الخمس” إلى واحدة من أكثر منصات التعاون متعدد الأطراف تأثيراً في أوراسيا.
خلال هذه السنوات توسعت عضوية المنظمة بشكل كبير. فبينما تأسست عام 2001 بست دول (الصين، روسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، وأوزبكستان)، تضم المنظمة اليوم 10 دول أعضاء، و15 شريك حوار، ودولتين بصفة مراقب.
وفي الوقت نفسه، يستمر الاهتمام بأنشطة المنظمة في النمو بثبات. ووفقاً للأمين العام للمنظمة نورلان يرمكباييف، أعربت حوالي 20 دولة عن اهتمامها بالانضمام إلى المنظمة بصفة أو بأخرى.
وتسهم أوزبكستان، بصفتها أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة شنغهاي للتعاون، بمساهمة عملية كبيرة في أنشطتها. وقد تولت رئاسة المنظمة أربع مرات، واستضافت بنجاح قمم رؤساء دول المنظمة في طشقند (2004، 2010، و2016) وفي سمرقند (2022).
وفي المرحلة الحالية، تشارك أوزبكستان بفعالية في تشكيل جدول أعمال المنظمة، مع التركيز على قضايا الأمن، والتعاون التجاري والاقتصادي، والشراكة الصناعية والتكنولوجية، والروابط الثقافية والإنسانية، والترابط الإقليمي.
*الاقتصاد وترابط النقل*
يعد التعاون الاقتصادي أحد المجالات الرئيسية لمشاركة أوزبكستان في المنظمة. وبالنسبة لطشقند، فإن المنظمة تهمها عملياً في المقام الأول كمنصة فعالة لتوسيع التجارة، وجذب الاستثمارات، وتطوير التعاون الصناعي، وإنشاء روابط نقل ولوجستيات موثوقة.
وقد وصلت العلاقات التجارية لأوزبكستان مع الدول الأعضاء في المنظمة بالفعل إلى نطاق كبير. ففي عام 2025 بلغ حجم التبادل التجاري الخارجي للبلاد 81.2 مليار دولار، بزيادة قدرها 20.7% عن العام السابق. ولا تزال الصين وروسيا وكازاخستان أكبر الشركاء التجاريين لأوزبكستان، حيث تستحوذ على حوالي 43% من إجمالي حجم التبادل التجاري الخارجي للبلاد.
ويقيد الإمكانات الاقتصادية للمنظمة وجود اختلافات في الإجراءات الجمركية والمعايير الفنية وقواعد الوصول إلى الأسواق. ولإزالة هذه العوائق، تدعو أوزبكستان إلى توقيع اتفاقية لتسهيل التجارة، ومواءمة المعايير الجمركية والفنية لإطلاق “الممرات الخضراء”، وتطوير التجارة الإلكترونية عبر الحدود، والاستخدام الأوسع للعملات الوطنية في التسويات، وإنشاء آليات استثمارية لتوفير تمويل مستقل للمشاريع المشتركة.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي لأوزبكستان في الانتقال من التجارة البسيطة إلى التعاون الصناعي العميق، وإنتاج سلع ذات قيمة مضافة عالية، ودمج المؤسسات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية. وتفتح التعاون في قطاع الطاقة، والرقمنة، والتقنيات الخضراء، ومعالجة المعادن الحيوية آفاقاً كبيرة في هذا الصدد.
وكان من التطبيق العملي لهذا النهج المبادرات التي طرحتها أوزبكستان في قمة المنظمة بمدينة تيانجين. وتشمل هذه المبادرات إنشاء “مركز إقليمي للمواد الحيوية” و”كونسورتيوم الطاقة لمنظمة شنغهاي”، وتطوير آليات رأس المال المغامر لدعم المشاريع المبتكرة، وتكوين بوابة إلكترونية موحدة للاتصالات التجارية المباشرة وجذب الاستثمارات.
ويرتبط تعميق التعاون التجاري والصناعي ارتباطاً مباشراً بتطوير البنية التحتية للنقل. وبالنسبة لأوزبكستان، باعتبارها دولة حبيسة، فإن توسيع نطاق الطرق يعد شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي المستدام. ويكتسب خط سكة الحديد “الصين – قيرغيزستان – أوزبكستان” الجاري إنشاؤه أهمية خاصة. وفي المستقبل، يمكن أن يؤدي ربطه بممر “ترانس – أفغان” (ترمذ – مزار شريف – كابول – بيشاور) إلى إنشاء طريق نقل جديد يربط بين الصين وآسيا الوسطى وجنوب آسيا.
كما تدعم طشقند مفهوم إنشاء “فضاء نقل موحد لمنظمة شنغهاي” قائم على تطوير شبكات متعددة الوسائط جديدة، ورقمنة النقل، وإنشاء “ممرات خضراء” متصلة. ويخلق توسيع الوصول إلى أسواق الصين وروسيا ودول منطقة بحر قزوين وإيران وجنوب آسيا فرصاً إضافية لتنويع التجارة الخارجية وتعزيز الترابط الإقليمي.
*الأمن: من التهديدات التقليدية إلى نهج شامل*
إلى جانب الشراكة الاقتصادية، يظل التعاون في مجال الأمن أولوية قصوى لأوزبكستان داخل المنظمة. وعلى مدار سنوات العمل داخل المنظمة، تم إنشاء نظام فعال لمكافحة “الشرور الثلاثة” (الإرهاب، والانفصالية، والتطرف)، والجريمة المنظمة، والاتجار بالمخدرات، مع وجود اللجنة التنفيذية للهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب التابع للمنظمة في طشقند كحلقة رئيسية فيه.
وفي الوقت نفسه، يضع الطيف المتوسع للتحديات والتهديدات مهاماً جديدة في المقدمة: ضمان الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، والتصدي لاستخدام تكنولوجيا المعلومات لأغراض غير مشروعة، وتعزيز الاستعداد للمخاطر البيئية والتكنولوجية.
وفي ضوء هذه الحقائق الجديدة، تدعم أوزبكستان بقوة التحديث العميق لآليات المنظمة. وفي إطار الإصلاح المؤسسي، يتم تحويل اللجنة التنفيذية للهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب إلى “المركز الشامل للتصدي للتحديات والتهديدات الأمنية”. وستستكمل هيكلية النظام المحدث بمركز المنظمة لمكافحة الجريمة المنظمة في بيشكيك، ومركز المنظمة لمكافحة المخدرات في دوشنبه، مما سيضمن استجابة شاملة ومستهدفة للتهديدات عبر الحدود.
إلى جانب التحسين المؤسسي، تروج أوزبكستان لمبادرات موضوعية في ثلاثة مجالات رئيسية:
*أولاً*: تعزيز الثقة والحوار الاستراتيجي. في عام 2022 تم طرح “مبادرة سمرقند للتضامن من أجل الأمن والازدهار المشترك”، وفي 2023 تم تقديم مقترح لتطوير “مدونة شنغهاي لحسن الجوار والثقة والشراكة عبر الحدود”، وفي 2025 بادرت طشقند باعتماد “إعلان منظمة شنغهاي للأمن النووي”.
*ثانياً*: ضمان أمن ومرونة الفضاء الرقمي. تدعو أوزبكستان إلى تعميق التعاون في الأمن السيبراني وتشكيل مقاربات مشتركة للتقنيات الجديدة. وينعكس تنفيذ هذا المسار في سلسلة متتالية من مبادرات طشقند ضمن إطار المنظمة.
ففي قمة دوشنبه (2021) طرحت أوزبكستان مبادرة لإنشاء “منتدى الخبراء لأمن المعلومات” لتطوير آليات للاستجابة للتهديدات السيبرانية وتبادل الخبرات. وفي 2023 دعت الجانب الأوزبكي إلى الإسراع باعتماد “اتفاقية مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات” و”برنامج مكافحة التطرف عبر الإنترنت”، وفي قمة تيانجين (2025) اقترحت إنشاء “المجلس الدولي لخبراء الذكاء الاصطناعي” لوضع معايير موحدة للأخلاقيات والأمن السيبراني والحماية من التزييف العميق.
*ثالثاً*: تعزيز استقرار وتنمية أفغانستان. تنظر طشقند إلى هذا البلد كجزء لا يتجزأ من آسيا الوسطى، وتنطلق من ضرورة الجمع بين قضايا الأمن وأهداف التعافي الاقتصادي وتطوير البنية التحتية ودمج كابول في الروابط الإقليمية.
وفي هذا الصدد، تدعو أوزبكستان إلى استئناف عمل “مجموعة الاتصال منظمة شنغهاي – أفغانستان”، التي يمكن أن تكون آلية لتنسيق الجهود نحو التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد وإدماجها في المشاريع الكبرى للبنية التحتية.
*التعاون الإقليمي: المناخ والأمن الغذائي والبعد الإنساني*
إن الفهم الموسع للأمن يضع بشكل طبيعي قضايا القدرة على الصمود المناخي والغذائي في المقدمة. ولهذه الأجندة أهمية خاصة بالنسبة لآسيا الوسطى: فعلى مدار 30 عاماً الماضية ارتفع متوسط درجة الحرارة في المنطقة بمقدار 1.5°م، أي ضعف المعدل العالمي. ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، يهدد تدهور الأراضي وذوبان الأنهار الجليدية وتزايد ندرة المياه بانخفاض غلة المحاصيل الزراعية بنسبة 30%.
وللرد على هذه التحديات، بنت طشقند سلسلة متسقة من المبادرات المنهجية داخل المنظمة: من اعتماد برنامج “الحزام الأخضر” للمنظمة (2019) وإنشاء “المجلس المناخي” (2022) إلى افتتاح “مركز الحلول المناخية المبتكرة” في طشقند (2024) وإطلاق “المنصة الإقليمية للتكيف وإزالة الكربون واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر البيئية” (2025).
ويرتبط جدول أعمال المناخ ارتباطاً مباشراً بالأمن الغذائي. وتتمثل المهمة المشتركة هنا في تشكيل نظم زراعية غذائية مستدامة. وفي هذا السياق، تقترح طشقند تطوير الزراعة “الذكية”، وإدخال تقنيات توفير الموارد والمياه، وإنشاء مراكز لوجستية زراعية و”ممرات خضراء” لحركة المنتجات الزراعية عبر الحدود. كما تقترح أوزبكستان إطلاق منصة “أطلس الأمن الغذائي لمنظمة شنغهاي” لمراقبة الإمكانات الزراعية وتعزيز مرونة سلاسل التوريد.
ولا يقتصر التعاون العملي داخل المنظمة على قضايا الاقتصاد والأمن والمناخ؛ فقدرته على الاستمرار على المدى الطويل تعتمد بشكل مباشر على تطوير الاتصالات المباشرة بين مجتمعات الدول الأعضاء. وتدعو أوزبكستان باستمرار إلى توسيع الحوار الإنساني من خلال المهرجانات والمنتديات والمعارض التي تروج للتراث الغني “للعائلة متعددة الجنسيات” لمنظمة شنغهاي وتعز أساس التفاهم وحسن الجوار.
ويعد السياحة إحدى الأدوات العملية لتعزيز الروابط الإنسانية. وفي هذا المجال اقترحت أوزبكستان مجموعة شاملة من التدابير العملية، بما في ذلك إطلاق برنامج “عاصمة السياحة والثقافة لمنظمة شنغهاي”، وإنشاء مسارات “طريق الحرير لمنظمة شنغهاي”، وتأسيس “تحالف السياحة العلاجية لمنظمة شنغهاي”. وتساعد هذه المبادرات في تكوين فضاء سياحي موحد، وجذب الاستثمارات في البنية التحتية، وتحفيز خلق فرص العمل.
وبشكل عام، وعلى مدار ربع قرن من المشاركة في المنظمة، رسخت أوزبكستان مكانتها كأحد المهندسين الرئيسيين للأجندة الإقليمية، وساعدت في تحويل المنظمة من منصة للحوار إلى آلية فعالة للشراكة العملية. وتتسم المبادرات التي طرحتها طشقند بالطابع العملي وتتوافق دائماً مع المصالح الأساسية لجميع الدول الأعضاء.
ويتمثل الموقف المبدئي لطشقند في أن المنظمة يجب أن تحافظ على انفتاحها، وتتجنب المواجهة السياسية، وتظل مسترشدة بمبادئ “روح شنغهاي”. وهذا المسار هو الذي يمكّن من التحول المتسق للفضاء الأوراسي إلى منطقة استقرار وثقة وتنمية مستدامة على المدى الطويل.
* مادينا أريبوفا *
باحثة أولى في معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان
—


