بقلم نوديربيك رسولوف
زيارة رئيس أوزبكستان إلى صربيا: مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية بين آسيا الوسطى والبلقان
تدفع العولمة الاقتصادية اليوم، والوضع الجيوسياسي والجيواقتصادي الحالي في العالم، نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول بناءً على تناغم المصالح المشتركة، وليس فقط على أساس التقارب الجغرافي.
وتؤثر السياسة الخارجية المستقلة والمتوازنة لأوزبكستان بشكل إيجابي على زيادة عدد الدول الشريكة لها عاماً بعد عام. وتعمل هذه السياسة الخارجية متعددة النواقل على تعزيز العلاقات متبادلة المنفعة مع دول في مناطق مختلفة من العالم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعاون مع الجيران المقربين. وتحديداً، تطورت علاقات أوزبكستان مع دول البلقان في مختلف القطاعات خلال السنوات الأخيرة، حيث احتل التعاون مع صربيا مكانة بارزة.
تأسست العلاقات الدبلوماسية بين أوزبكستان وصربيا في 18 يناير 1995. ومنذ ذلك الحين، نما التعاون بين البلدين بشكل مطرد على مختلف المستويات. وعلى الرغم من أن ديناميكيات التفاعل الثنائي كانت منخفضة نسبياً في سنوات معينة، إلا أن السياسة الخارجية النشطة لأوزبكستان والإصلاحات الرامية إلى تنويع العلاقات الدولية ساهمت بشكل كبير في تعزيز الروابط الأوزبكية الصربية.
وعلى مدى السنوات الثلاث إلى الأربع الماضية، وصل التعاون متبادل المنفعة والحوار السياسي الاقتصادي بين طشقند وبلجراد إلى مستوى جديد نوعياً. وقد شكلت اللقاءات بين رئيسي الدولتين خطوات محورية في العلاقات الثنائية:
20 أغسطس 2023 (بودابست): التقى الرئيس شوكت ميرضيايف بالرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال بطولة العالم لألعاب القوى، مما أعطى زخماً قوياً للعلاقات الثنائية.
3 سبتمبر 2025 (بكين): التقى القائدان مجدداً، حيث أكدا رغبتهما المشتركة في توسيع نطاق التجارة، والاستثمار، والصناعة، والهندسة الميكانيكية، والأدوية، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والسياحة، والتعليم، والنقل، والحوار الحكومي الدولي.
وتركز مبادئ السياسة الخارجية لأوزبكستان على الالتزام بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول وحرمة حدودها، والتعاون الودي والمثمر، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحل السلمي للنزاعات الدولية.
وتشمل أبرز اللقاءات الدبلوماسية ما يلي:
أغسطس 2017: زار ز. فوييتش، المدير السياسي لوزارة الخارجية الصربية والمبعوث الخاص للرئيس بشأن كوسوفو، طشقند لمناقشة الحوار السياسي والآفاق المتاحة داخل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، واليونسكو.
2021: أُجريت مشاورات سياسية في طشقند مع ن. ستاروفيتش، سكرتير الدولة بوزارة الخارجية الصربية.
2022: توقيع بروتوكول التعاون والمشاورات بين الإدارات، والذي أرسى أساساً قانونياً للمشاورات الاستراتيجية المنتظمة، والحوار الثقافي الإنساني، والعلاقات السياسية.
سبتمبر 2025 (نيويورك): التقى وزراء الخارجية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.
9 أكتوبر 2025: عُقدت الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين وزارتي الخارجية عبر تقنية الفيديو.
2025: تعيين أول سفير لأوزبكستان لدى صربيا، مما شكل علامة فارقة في العلاقات الثنائية.
وعلى الرغم من أن المؤشرات التجارية والاقتصادية لا تزال متواضعة، إلا أن هناك آفاقاً واعدة وكبيرة. إذ تمثل صربيا بوابة محتملة لأوزبكستان لتوسيع علاقاتها مع دول البلقان الأخرى، بما في ذلك كرواتيا، وألبانيا، ومقدونيا الشمالية، والجبل الأسود، وسلوفينيا. ويجري حالياً تطوير برامج تعاون شاملة لتعزيز التجارة ودعم الشراكات في مجالات الهندسة الميكانيكية، والأدوية، والزراعة، والصناعات الكيماوية، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الزراعية، والسياحة.
وقد أكد عدم الاستقرار الجيوسياسي والجيواقتصادي على الحاجة الملحة لتطوير ممرات النقل الدولية. وتسعى أوزبكستان، بفضل موقعها الاستراتيجي عند ملتقى الطرق في آسيا الوسطى، إلى فتح ممرات نقل جديدة على طول مسار “آسيا الوسطى – البلقان”. ويحظى التعاون مع دول البلقان ضمن الممر العابر لبحر قزوين بأهمية استراتيجية بالغة لأوزبكستان.
وتعمل حالياً في أوزبكستان نحو عشر شركات برأس مال صربي (شركتان مشتركتان والباقي شركات فردية). ورغم أن حجم التجارة الثنائية السنوية يحوم حول 12 مليون دولار، إلا أن إمكانات النمو التجاري والاستثماري تظل هائلة.
ويبرز تحليل المحادثات الرسمية ومنتديات الأعمال من عام 2023 إلى 2026 الأولويات الرئيسية التالية:
الدولة الأولويات والمصالح الاستراتيجية
لصالح أوزبكستان استيراد المعدات الصناعية والآلات والمحركات من صربيا؛ وإدخال التكنولوجيا الصربية؛ وتأسيس مشاريع مشتركة؛ وتصنيع مكونات السيارات؛ وتوطين الإنتاج؛ وبناء قاعدة إنتاجية تستهدف أسواق آسيا الوسطى وأوروبا معاً.
لصالح صربيا الاستثمار في مجالات الزراعة، والصناعات الغذائية، ومعدات تصنيع الأغذية، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والأدوية، والمنسوجات، وقطاع السيارات في أوزبكستان؛ ونقل التكنولوجيا الأوروبية، والمعرفة الفنية (Know-how)، والخبرات إلى الصناعات المحلية والتنمية الإقليمية.
إن الاتفاقيات السياسية تتطلب آليات اقتصادية حقيقية لتحقيق نتائج ملموسة. وفضلاً عن فتح ممرات النقل، يتعين على الحكومات تمكين المبادرات التجارية من خلال ست استراتيجيات رئيسية:
التكامل الاستراتيجي: يجب أن تعمل ممرات النقل كمسارات تكامل ضمن سلاسل القيمة العالمية الأوروبية عبر البلقان، بدلاً من مجرد طرق لنقل البضائع.
التجارة ذات القيمة المضافة العالية: يجب تحويل التركيز من تصدير المواد الخام والمنتجات نصف المصنعة إلى السلع ذات القيمة المضافة العالية.
آليات الاستثمار: ينبغي تطوير حوافز واضحة لجذب رأس المال والتكنولوجيا الصربية إلى أوزبكستان، ومساعدة الشركات الأوزبكية في دخول أسواق البلقان.
الإنتاج الصناعي المشترك: يتعين على كلا البلدين دمج الموارد لاستهداف أسواق الدول الثالثة معاً، بدلاً من الاعتماد الكلي على التجارة الثنائية المباشرة.
التكامل اللوجستي: سيؤدي دمج قطاعي النقل واللوجستيات إلى خفض التكاليف، وفتح طرق ترانزيت جديدة، وتوسيع القدرات التجارية.
رأس المال البشري ونقل التكنولوجيا: توسيع نطاق التعاون ليشمل تبادل الخبرات بين المتخصصين، والعلماء، والمهندسين، ورواد الأعمال.
وفي الختام، يمكن لهذا الجسر الاقتصادي الجديد بين أوزبكستان وصربيا أن يمثل ركيزة نمو حيوية لكل من آسيا الوسطى ومنطقة البلقان. فهو يتيح فرصاً لتوسيع ممرات النقل الدولية، وتحسين الكفاءة اللوجستية، واختصار أوقات التسليم بمعدل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف، وإنشاء الموانئ الجافة، وتحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات الشحن والعبور.
نوديربيك رسولوف
دكتور في العلوم الاقتصادية، بروفيسور،
وقائد مشروع بمعهد الدراسات الماكرو-اقتصادية والإقليمية


