مشروعات عمرانية وسياحية كبرى تفتح أبواب إعادة الإعمار.. ودمشق في قلب خريطة الاستثمارات الخليجية
دمشق — عطاف ماهر المفشي
تتجه الأنظار إلى العاصمة السورية دمشق، مع ترقب توقيع حزمة من المشروعات الاستثمارية الضخمة التي يقودها رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس شركة «إعمار العقارية» ورئيس مجلس إدارة «إيجل هيلز»، في خطوة قد تمثل تحولًا اقتصاديًا مهمًا في مسار إعادة إعمار سوريا، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمارات العربية في قطاعات العقارات والسياحة والبنية التحتية.
وتأتي هذه التحركات بعد إعلان العبار، في تصريحات إعلامية خلال سبتمبر الماضي، أن المشروعات الاستثمارية المرتقبة في سوريا تقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار، مع توقع توقيعها خلال الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، وهو ما يضع السوق السورية أمام حدث استثماري مرتقب قد يكون من بين الأكبر في تاريخها الحديث.
مدينة عمرانية ضخمة ومشروعات تتجاوز حدود العاصمة
وتشير تقارير اقتصادية سابقة إلى أن خطط العبار الاستثمارية تشمل مشروعات عمرانية واسعة النطاق في دمشق ومحيطها، إلى جانب مشروعات محتملة على الساحل السوري، في إطار رؤية تستهدف إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة تجمع بين الوحدات السكنية والفنادق والمراكز التجارية والمساحات الخضراء والخدمات.
وكانت تقارير منشورة في مايو الماضي قد كشفت عن دراسة شركة «إيجل هيلز» مشروعًا عمرانيًا ضخمًا في منطقة دمر بدمشق، يمتد على مساحة تقارب 33 مليون متر مربع، ويتضمن تصورًا لإنشاء نحو 73 ألف وحدة سكنية، إضافة إلى آلاف الغرف الفندقية والمرافق التجارية والمساحات الخضراء.
ووفقًا للتقديرات الأولية المنشورة آنذاك، يمكن أن يوفر المشروع أكثر من 100 ألف فرصة عمل خلال مرحلة الإنشاء، ونحو 40 ألف وظيفة دائمة عند التشغيل، إذا نُفذ وفق التصور المعلن.
ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام مرتبطة بخطط وتصورات استثمارية سابقة، ولا تعني أن المشروع حصل بالفعل على الموافقات النهائية أو دخل مرحلة التنفيذ.
محمد العبار.. رهان استثماري على مستقبل الاقتصاد السوري
وفي تصريحات نقلتها وسائل إعلام اقتصادية، وصف العبار الاستثمار في سوريا بأنه فرصة استثمارية محسوبة، مشيرًا إلى تحسن تدريجي في مستويات الاستقرار، ومؤكدًا أهمية مساهمة المستثمرين العرب في دعم تعافي الاقتصاد السوري وإعادة بناء المدن والمرافق.
وتعكس تحركات العبار اهتمامًا متزايدًا من الشركات الخليجية بالسوق السورية، التي تمتلك احتياجات ضخمة في قطاعات الإسكان والتطوير العقاري والسياحة والخدمات، بعد سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي وتضرر البنية التحتية.
وشهدت الأيام الأولى من أكتوبر الجاري تحركات ميدانية للعبار، شملت لقاءات مع مسؤولين سوريين في حلب وإدلب، وبحث فرص الاستثمار في الإسكان والتطوير العقاري والسياحة وإعادة الإعمار، إلى جانب الاطلاع على مواقع ومناطق مرشحة لمشروعات تنموية جديدة.
وتؤشر هذه اللقاءات إلى أن التحركات الاستثمارية لا تقتصر على العاصمة دمشق وحدها، بل تمتد إلى محافظات سورية أخرى، بما يعزز احتمالات توزيع الاستثمارات على أكثر من منطقة وقطاع.
استثمارات بمليارات الدولارات.. ماذا تعني للاقتصاد السوري؟
اقتصاديًا، تمثل المشروعات العمرانية الكبرى فرصة محتملة لتحريك قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري، بداية من مواد البناء والصناعات الهندسية، مرورًا بالنقل والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى السياحة والتجارة والخدمات المصرفية.
كما يمكن لهذه المشروعات، حال انتقالها من مرحلة التفاوض إلى التنفيذ الفعلي، أن تسهم في توفير فرص عمل جديدة، وتحفيز الشركات المحلية، وجذب رؤوس الأموال العربية والأجنبية، فضلًا عن تحسين المعروض من الوحدات السكنية والمرافق الخدمية.
لكن حجم التأثير الاقتصادي سيظل مرتبطًا بعوامل أساسية، من بينها مصادر التمويل، والجدول الزمني للتنفيذ، والبيئة التشريعية، ومدى استقرار السوق، وقدرة البنية التحتية على استيعاب التوسعات العمرانية الجديدة.
وتواجه سوريا تحديات كبيرة في ملف إعادة الإعمار، ما يجعل أي استثمار بهذا الحجم اختبارًا حقيقيًا لقدرة الشراكات العربية على الانتقال من الإعلانات والخطط إلى مشروعات ملموسة على الأرض.
دمشق أمام اختبار استثماري جديد
وبين الطموحات الاستثمارية والواقع الاقتصادي، تترقب الأوساط الاقتصادية ما ستسفر عنه تحركات محمد العبار خلال الأسبوع الأول من أكتوبر، وما إذا كانت المشروعات المعلنة ستتحول إلى اتفاقيات نهائية تتضمن تفاصيل واضحة بشأن مواقع التنفيذ وحجم التمويل والشركاء والجدول الزمني.
فإذا اكتملت الاتفاقيات وبدأ تنفيذها، فقد تشهد دمشق مرحلة جديدة من التوسع العمراني، وتتحول المشروعات العقارية الكبرى إلى أحد محركات التعافي الاقتصادي، مع امتداد آثارها المحتملة إلى قطاعات الإنتاج والتشغيل والخدمات.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الاستثمارات الخليجية المرتقبة في تحويل خريطة الإعمار السوري من مجرد خطط طموحة إلى واقع اقتصادي جديد يعيد رسم مستقبل دمشق والمدن السورية؟


