هناك لحظة فارقة تصل فيها العلاقة بين المواطن والدولة إلى درجة من التوتر تجعل الناس لا تسأل عن الأسعار فقط، ولا عن القوانين فقط، بل عن الاتجاه نفسه: إلى أين تُقاد البلاد؟
وهذا السؤال لم يعد همسًا في المقاهي أو شكوى عابرة على مواقع التواصل، بل تحول إلى شعور عام يتسع يومًا بعد آخر مع كل قرار جديد، وكل قانون يبدو بعيدًا عن واقع الناس أكثر من قربه منهم.
الغضب لم يعد متعلقًا فقط بارتفاع الأسعار أو ضيق المعيشة، بل بحالة شعورية أعمق؛ إحساس متزايد بأن الحكومة ومجلس النواب يتحركان داخل عالم مختلف، عالم لا يسمع أنين القرى، ولا يرى هشاشة الطبقة المتوسطة التي تتآكل ببطء، ولا يدرك أن المواطن لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء النفسية والاقتصادية.
مؤخرًا أعلن عن مناقشة البرلمان لقانون جديد للأحوال الشخصية، وكل الأخبار الآتية من البرلمان لا تسر عدو ولا حبيب.. حتى كل القضايا التي تم مناقشتها تثار بمنطق مراعاة أصحاب المصلحة لا الأطراف المعنيين.
على الورق، يبدو القانون منظمًا وحديثًا: مواجهة زواج القاصرات، حماية حقوق النساء، ضبط التوثيق، وإلزام المقبلين على الزواج بإجراءات طبية وقانونية. أهداف تبدو نبيلة في ظاهرها، لكن المشكلة الحقيقية ليست في العنوان، بل في الطريقة التي يُصنع بها التشريع داخل غرف مغلقة، بعيدًا عن الشارع الذي سيعيش نتائجه.
المشرّع تعامل مع الزواج باعتباره ملفًا إداريًا يحتاج مزيدًا من الأختام والغرامات، بينما تجاهل أن أغلب الأزمات أصلها اقتصادي واجتماعي بالأساس.
في القرى والمناطق الفقيرة، لا يلجأ الناس إلى الزواج غير الموثق حبًا في مخالفة القانون، بل هروبًا من التعقيد والفقر وبطء الإجراءات. هناك أب يخشى على ابنته من قسوة الحياة، وأم ترى الزواج سترًا قبل أن يكون رفاهية قانونية، وشاب بالكاد يستطيع تدبير تكاليف يومه، فكيف سيواجه رسومًا وغرامات وتحاليل وإجراءات لا تنتهي؟
بدلًا من أن تسهّل الدولة طريق الحلال، بدا المشهد وكأنها تضع أمامه المزيد من الحواجز، ثم تتعجب بعد ذلك من لجوء الناس إلى الطرق الملتوية.
المفارقة أن القانون ركّز على “صحة العقد”، لكنه تجاهل “صحة الحياة” نفسها.
لا أحد تحدث بجدية عن الانهيار الاقتصادي الذي يضغط على البيوت، ولا عن نسب الطلاق المرتفعة بسبب العجز المادي والخلافات اليومية وتآكل الدخل. وكأن الأزمة في الورقة لا في الواقع، في التوقيع لا في القدرة على بناء أسرة أصلًا.
السلطة حين تفقد حساسيتها الاجتماعية تتحول تدريجيًا إلى ماكينة قرارات؛ تصدر القوانين باعتبارها إنجازًا إداريًا، بينما يراها المواطن عبئًا جديدًا يضاف فوق كتفيه. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية: حين يشعر الناس أن الدولة لا تسمعهم، وأن البرلمان لا يشبههم، وأن التشريعات تُفرض عليهم لا تُناقش معهم.
المجتمعات لا تنفجر فجأة، لكنها تمتلئ ببطء.
والاحتقان لا يأتي من قرار واحد، بل من تراكم طويل لقرارات يشعر المواطن أنها تُحمّله دائمًا الفاتورة كاملة، بينما لا يجد مقابلًا حقيقيًا في الخدمات أو الأمان الاقتصادي أو الأمل.
لا أحد يرفض التنظيم، ولا أحد يعترض على حماية الأسرة، لكن القوانين التي تتجاهل الواقع الاجتماعي تتحول من أدوات إصلاح إلى أدوات غضب. فالدولة الذكية لا تكتفي بفرض العقوبات، بل تفهم أولًا لماذا يخالف الناس، ثم تعالج السبب قبل أن ترفع العصا.
المواطن اليوم لا يريد خطابات مطولة، بل يريد إحساسًا بسيطًا بأن من يحكمه يعرف كيف يعيش، ويفهم معنى أن يصبح الزواج عبئًا، والتعليم عبئًا، والعلاج عبئًا، وحتى الحلم نفسه صار مكلفًا.
وحين يصل الناس إلى مرحلة يتمنون فيها فقط ألا تظهر قرارات جديدة، فهذه ليست أزمة قانون… بل أزمة ثقة كاملة بين الشارع ومن يديرونه.
وللحديث بقية