الكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدةالكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدة

قطعت إجازتى الصيفية مبكراً هذا العام كان من المفترض أن أستكمل أسبوعى فى الساحل الشمالى لكن خبراً واحداً كان كافياً لإعادتى إلى مكتبى خبر يمس حياة الناس مباشرة زيادة جديدة فى أسعار الكهرباء تضاف إلى سلسلة زيادات المحروقات الأخيرة.
العودة لم تكن قراراً شخصياً فقط بل كانت استجابة لصوت وصلنى من كل مكان. صوت البيوت المصرية التى تحول أنينها اليوم إلى سؤال واحد متكرر “إلى متى؟”
لا أحد ينكر أن الدولة تواجه تحديات اقتصادية ضخمة وأن الإصلاح الاقتصادي ضرورة حتمية ولكن المشكلة لا تكمن فى فكرة الإصلاح نفسها بل فى طريقة تطبيقه وتوقيته وتأثيره المباشر على المواطن فبعد الزيادة الأخيرة فى أسعار البنزين والسولار جاء الدور على فاتورة الكهرباء ومع رفع الشرائح وجد المواطن البسيط نفسه أمام عبء مضاعف والطبقة المتوسطة التى كانت تمثل عمود الخيمة هى الأخرى لم يعد لديها مساحة للمناورة كل زيادة تقص منها جزءاً حتى أصبحت بين مطرقة الأسعار وسندان الدخل الثابت.
والأخطر من ذلك أن أى رفع فى أسعار المحروقات أو الكهرباء لا يتوقف أثره عند فاتورة البيت فقط فهو يمتد مباشرة إلى الشارع. يرفع تكلفة النقل وتكلفة الإنتاج وتكلفة كل سلعة وخدمة نستخدمها يومياً بهذا يكون المواطن قد “انكوى مرتين” مرة داخل بيته عند دفع فاتورة الكهرباء ومرة أخرى فى السوق عند شراء احتياجاته التى زادت أسعارها بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة فكأن الحكومة أشعلت شرارة جديدة زادت من أعباء الناس اليومية.
ما يثير القلق حقاً ليس الرقم الجديد فى الفاتورة ما يثير القلق هو التعامل مع صبر هذا الشعب وكأنه رصيد لا ينفد وكأن قدرة التحمل اختبار بلا نهاية نعم الشعب المصرى صبور ويعى حجم التحديات وتحمل الكثير من أجل وطنه لكن لكل شيء طاقة والاحتقان اليوم بلغ مداه فى البيوت لم يعد الناس يسألون “لماذا ارتفعت الأسعار” فقط بل صار السؤال الأهم “هل هناك خطة لحمايتنا؟” و “هل أحد يشعر بنا؟”
أنزل إلى الشارع وأسمع. أسمع الموظف الذى يحسبها بالجنيه قبل نهاية الشهر. أسمع ربة البيت التي تحاول الموازنة بين فاتورة الكهرباء ومصروف المدرسة. أسمع صاحب الورشة الصغيرة الذى يقول “مش قادر أشغل المكنة” هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقرير. هؤلاء هم الشعب. وعندما يصل بهم الأمر إلى الشعور بأنهم محاصرون بالزيادات من كل اتجاه فهذا مؤشر خطر يقول إننا نقترب من نقطة لن يفيد بعدها أى تبرير.
دعونى أكون واضح المطلب ليس إلغاء الإصلاح أو التراجع عن مسار الدولة. المطلب هو “المراجعة” مراجعة الأثر الإجتماعى لكل قرار قبل إصداره مراجعة الشرائح وتوقيت تطبيقها. مراجعة آليات الحماية للفئات الأكثر احتياجاً. الشعب يريد أن يفهم. يريد شفافية. يريد حواراً مجتمعياً حقيقياً يسبق القرار لا يأتى بعده. يريد أن يشعر أن صوته مسموع وأن معاناته مقدرة.
الحكومة اليوم أمام امتحان حقيقى لقراءة المشهد بدقة. الرهان على أن “الناس هتستحمل” رهان “خاسر” إذا طال أكثر من ذلك. فالاستقرار لا يُبنى فقط بالطرق والكبارى والمشروعات القومية ولكنه يُبنى أيضاً ببيت مستقر لا يخاف من فتح فاتورة الكهرباء كل شهر وبسوق عادل لا ينهار فيه المواطن تحت وطأة الأسعار.
نصيحتى من قلب يوجعه أنين البيوت المصرية راجعوا القرار خفوا على الناس. فالوطن لا يقوى إلا بأهله وأهله اليوم يحتاجون من يربت على كتفهم لا من يزيد الحمل عليهم فالأمن الحقيقى يبدأ من أمان المواطن فى بيته وفى لقمة عيشه.
وللحديث بقية

Share