الكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدةالكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدة

حين يصل الأمر الى أن يدفع المصرى بالدولار ليدخل شاطئاً فى بلده فاعلم أننا تجاوزنا مرحلة الخلل الإدارى ودخلنا فى منطقة الخطر على الهوية والسيادة. الأنباء التى خرجت من مشروع “مراسى” بسيدى عبدالرحمن عن فرض رسوم الف دولار على الفرد لدخول البحر وعن تقييد حركة الملاك وعن منع أجهزة الدولة من دخول الموقع إن صحت فهى ليست مجرد مخالفة إدارية عابرة هى صورة مصغرة لما كنا نخشاه ونحذر منه منذ سنوات.
البحر والشاطئ فى مصر ليسوا سلعة هما ملكية عامة للشعب كله الدستور والقانون المصرى واضحان فى أن لكل مواطن الحق الأصيل فى التمتع بسواحل وطنه وأن الدولة ملتزمة بحمايتها وحظر التعدى عليها فكيف يتحول شاطئ مصرى إلى بوابة مغلقة لا تُفتح إلا لمن معه عملة أجنبية؟ بأى منطق يُطلب من أستاذ جامعة أو طبيب أو مهندس او عامل مصرى أن يدفع ألف دولار ليشم هواء بلده ويضع قدمه على رمالها؟
الأمر لا يتوقف عند منع المواطن. الأخطر هو محاولة فرض عملة أجنبية داخل اراضى الدولة المصرية الجنيه المصرى هو العملة الرسمية الوحيدة للتعامل داخل مصر هذا ليس ترفاً تشريعياً بل سيادة. عندما يُقال لمواطن “ادفع بالدولار” على أرض مصرية فالرسالة المباشرة هى أن عملتنا الوطنية أصبحت درجة ثانية فى وطنها وهذه بداية انهيار لا نتمناها لأحد.
ما يثير الذعر حقاً هو ما تردد عن محاولات منع أجهزة الدولة من القيام بدورها داخل المشروع.
السيادة لا تُقسم ولا تتجزأ لا يوجد شبر واحد فى مصر خارج القانون المصرى وخارج سلطة الدولة وأجهزتها.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة.. هل نحن بصدد عقود استثمار تصنع “دولاً داخل الدولة” تحت لافتة التنمية؟ أي حديث عن منطقة “مستقلة” أو “خاصة” هو مساس مباشر بهيبة الدولة وأمنها القومى.
ولأننا نعلم أن الصمت الآن سيكلفنا كثيراً غداً فنحن نذكر ّ أننا حذرنا من قبل حذرنا من نتائج بيع اراضى الدولة أو جزء من أصولها للمستثمر الأجنبى دون ضمانات حقيقية تحمى المواطن أولاً قلنا إن جذب الاستثمار مطلوب ومحمود وأننا فى حاجة إليه لكن ليس على حساب كرامة المواطن ولا على حساب القانون الاستثمار يجب أن يأتى ليبنى ويُشغل ويُدر عائداً لا ليقصى صاحب الأرض من أرضه.
المشكلة أن كثيراً من العقود القديمة كُتبت بعقلية أي حاجة عشان المستثمر ييجى تُركت بنود فضفاضة وغابت الشروط التى تلزم المستثمر باحترام القانون المصرى وبعدم التمييز بين المصرى والأجنبى وبخضوع المشروع كاملاً لسيادة الدولة. اليوم ندفع ثمن هذا التساهل لذلك آن الأوان أن نتوقف.. أوقفوا جميع الصفقات الجديدة قبل أن تتحول إلى وقائع أمر واقع يصعب التراجع عنها أعيدوا مراجعة العقود القائمة وأدخلوا عليها ما يلزم من بنود تحمى حق المصرى فى الدخول وحقه فى المعاملة بالجنيه وحق الدولة فى التفتيش والأمن.
نحن لا نعادى الاستثمار العربى أو الأجنبى. بالعكس نريده ونحتاجه لكن نريده استثماراً شريكاً لا سيداً. نريده مستثمراً يحترم أن هذا وطن له شعب وتاريخ وقانون لا مجرد قطعة أرض تُباع وتُشترى. نريده أن يفهم أن ربحه لن يأتى من حرمان المصرى من بحره بل من أن يعمل فى بيئة مستقرة يحكمها القانون وتحترم فيها حقوق الجميع.
ما حدث فى مراسى يجب أن يكون جرس إنذار أخير.
على النائب العام والوزارات المعنية وهيئة المجتمعات العمرانية أن تتحرك فوراً للتحقيق وأن تعلن للرأي العام ما تم وأن تحاسب أي جهة تجاوزت وعلى الحكومة أن تُعلن بوضوح لا تمييز لا عملة أجنبية فى الداخل لا حصانة لأحد فوق القانون.
مصر ليست فندقاً كبيراً نؤجره لمن يدفع أكثر مصر وطن.. وطن يسكنه 110 مليون مصرى من حقهم أن يمشوا على شواطئهم وأن يتعاملوا بعملتهم وأن يشعروا أن دولتهم تحميهم وأي تنمية لا تبدأ من هذه النقطة هى تنمية ناقصة ومشوهة ومصيرها الفشل.
وللحديث بقية

Share