رواية «ظلّ الذاكرة» للكاتب العراقي صفاء الدين نجمرواية «ظلّ الذاكرة» للكاتب العراقي صفاء الدين نجم
في إنجاز أدبي لافت يخوض عمق الواقعية السحرية والديستوبيا النفسية، أعلنت «دار نيو بوك للنشر والتوزيع» عن صدور رواية «ظلّ الذاكرة» للكاتب والروائي العراقي صفاء الدين نجم؛ وهي عمل روائي فارق يستعرض حدود الذاكرة البشرية والصراع الأبدي بين أصالة التاريخ وطغيان المحو التكنولوجي والميتافيزيقي.
تتخذ الرواية من مدينة «الرمادي» العراقية وضفاف نهر الفرات الخالد مسرحًا لأحداثها، مشكّلةً بيئة بيئية وثقافية غنية تتصادم فيها رموز الطبيعة والموروث المحلي مع جفاف العصر الرقمي وسلطة التهميش.
زلزال الغياب وسلطة «السيستم»
تطرح «ظلّ الذاكرة» تساؤلًا وجوديًا مرعبًا: ماذا يحدث إذا لم يقتصر أثر الزمن والنسيان على الملامح والأماكن فحسب، بل امتد ليمحو الذاكرة الجمعية والتاريخ تماماً؟
رواية «ظلّ الذاكرة» للكاتب العراقي صفاء الدين نجم
رواية «ظلّ الذاكرة» للكاتب العراقي صفاء الدين نجم
تبدأ أحداث الحبكة بعودة الصحفي «سليم الرفاعي» إلى مدينته الرمادي بعد خمسة عشر عامًا قضاها في مغتربه بالقاهرة، محملاً بشوق الاستقرار ولهفة اللقاء، لكنه يصطدم بواقع كابوسي؛ إذ يكتشف أن صديق عمره ورفيق دربه الصحفي «آدم عبد الرحمن» قد أُزيح كليًا من الوجود، لا أثر لاسمه في سجلات النفوس الرسمية، والمحادثات القديمة قُطعت، حتى إن الأم التي ربتهما معاً تنكر معرفتها به!
يخوض «سليم» رحلة تقصٍّ محفوفة بالغموض والترقب؛ فيرى الصور القديمة وقد كُشطت ملامحها، والصفحات الرسمية قُطعت بمشرط، والأسماء أُبدلت بأرقام ورموز جافة تحت سلطة كيان ميتافيزيقي وتكنولوجي يُدعى «السيستم»، يسعى هذا النظام لإعادة صياغة الجغرافيا، ومحو التاريخ، وتحويل المدينة إلى مسمى رقمي هجين هو «المنطقة الغربية 1».
صمود الطين ومواجهة البرزخ
 خلال رحلته بين دهاليز المدينة المغيبة، يلتقي سليم بشخصيات غامضة تُعرف بـ «الهوامش»، وهم أولئك الذين طُرِدوا من حظيرة النظام، ويكتشف وجود «يت خالي من الخرائط» و«غرفة الطرس» التي تمثل النواة المركزية لهيكلة المدينة ومحوها.
الباحث والكاتب صفاء الدين نجم
الباحث والكاتب صفاء الدين نجم
ومع تسارع وتيرة المحو، يبدأ سليم نفسه بفقدان ملامحه والتحول إلى طيف لا يراه الآخرون، وفي ذروة كابوسية وملحمية، يتجه سليم لمواجهة النظام في برزخ البياض والمطابع الكبرى، مسلحًا بـ «طين الفرات الأسود» وشبكة اتصالات بدائية يديرها المقاومون للمحو، وفي لحظة حاسمة، يمزج سليم دمه وطينه بحبر المطبعة الكبرى ليكتب اسم «الرمادي» واسم «آدم» بيده، متسببًا في تعطيل آلة المحو الكبرى وإعادة المدينة وأهلها إلى الوجود.
قيمة أدبية وميزة تنافسية فريدة
تأتي رواية «ظلّ الذاكرة» لتسجل حضورًا استثنائيًا في المكتبة العربية من خلال تقديم معالجة غير تقليدية لقضايا الهوية عبر تحويل أثر التحولات والغياب من مجرد فضاء مادي إلى محو وجودي يهدد الذاكرة الجمعية والفردية، كما تعتمد الرواية على توظيف ساحر للموروث والبيئة المحلية يجسد المواجهة بين بيئة المشرق العربي برموزها الأصيلة كالفرات وطين النهر وعبق الحرمل والكورنيش، وجفاف الرموز الرقمية المتمثلة في أضواء النيون والبياض المطلق والباركود والسيستم، وتكتمل هذه التجربة بحبكة مشوقة وبناء متدرج يقدّم السرد بأسلوب بصري سينمائي يتصاعد من غموض الرحلة الأولى إلى صدمة الاكتشاف وصولاً إلى المواجهة الملحمية الأخيرة.
تُعد رواية «ظلّ الذاكرة» إضافة نوعية للسرد العربي المعاصر، ودعوة مفتوحة للتأمل في قيمة الذاكرة والأرض في زمن التغيرات المتسارعة، العمل متوفر حالياً لدى «دار نيو بوك للنشر والتوزيع» والمكتبات العربية.
Share