FB IMG 1789408263759

 

غدًا لا تستقبل القاهرة ضيفًا عاديًا، ولا تستقبل المملكة العربية السعودية في مصر مجرد مناسبة بروتوكولية عابرة، وإنما تستقبل مصر أحد أبناء الجزيرة العربية، ووجهًا عربيًا يحمل معه مكانة بلاده وتاريخها، ومستقبلها، وطموحات شعبها؛ تستقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في مشهد يحمل من الدلالات الإنسانية والعروبية والوطنية ما يتجاوز حدود السياسة ومراسم الزيارات الرسمية.

أهلًا بسمو الأمير محمد بن سلمان في القاهرة.. أهلًا بكم في مصر، بلدكم الثاني.

فهكذا كانت وستظل العلاقة بين الشعبين المصري والسعودي؛ علاقة لا تختصرها اتفاقية، ولا يحددها موقف سياسي، ولا تنتهي بانتهاء اجتماع أو قمة، لأنها علاقة صنعتها الجغرافيا، وثبتها التاريخ، وعمقتها العقيدة والثقافة واللغة، وحمتها مشاعر الملايين من أبناء الشعبين.

حين نتحدث عن مصر والسعودية، فإننا لا نتحدث عن دولتين شقيقتين فحسب، وإنما عن قلبين في جسد عربي واحد.

مصر، التي وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، والمملكة العربية السعودية، أرض الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، يجمعهما من الروابط ما يجعل الحديث عن العلاقات بينهما حديثًا عن جزء أصيل من الوجدان العربي والإسلامي.

ولعل أجمل ما يمكن أن نستحضره في هذه اللحظة قول الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

فما أحوج عالمنا العربي اليوم إلى أن يستعيد معنى الاعتصام والوحدة والتكامل، وأن يدرك أن قوة العرب لا تأتي من الخصومة، وإنما من قدرتهم على الاجتماع حول مصالحهم، وحماية أوطانهم، وصون مقدرات شعوبهم.

ومصر والسعودية تملكان تاريخًا طويلًا من هذه الشراكة.

منذ عقود، كانت القاهرة والرياض حاضرتين في أصعب اللحظات التي مرت بها الأمة العربية، وكان الشعب المصري يجد في المملكة سندًا وشقيقًا، كما كانت المملكة تجد في مصر عمقًا عربيًا وثقافيًا وحضاريًا لا غنى عنه.

ولذلك لم تكن العلاقة يومًا علاقة مصالح فقط، رغم ضخامة المصالح المشتركة، وإنما كانت قبل ذلك وبعده علاقة أخوة.

والأخوة الحقيقية لا تظهر في أوقات الرخاء فقط، وإنما تظهر عندما تضيق المساحات وتتعدد التحديات.

وقد قال رسول الله ﷺ:

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا».

وإذا كان هذا المعنى العظيم يؤسس لعلاقة الإنسان بأخيه، فإن العلاقات بين الشعوب الشقيقة لا يمكن أن تكون أقوى وأصدق إلا عندما تقوم على الاحترام، والتكامل، وحفظ المصالح، والوقوف معًا في مواجهة الأزمات.

واليوم، ونحن نرحب بولي العهد السعودي في القاهرة، فإننا لا نستعيد الماضي فقط، بل ننظر إلى المستقبل.

فالأمير محمد بن سلمان يمثل جيلًا جديدًا من القيادة السعودية؛ جيلًا يحمل رؤية مختلفة للمستقبل، ويسعى إلى بناء اقتصاد قوي، وتنويع مصادر القوة، وتعزيز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا.

ومصر أيضًا دولة تمتلك تاريخًا عريقًا وحضورًا إقليميًا وثقافيًا واستراتيجيًا، وتملك من مقومات القوة البشرية والحضارية والجغرافية ما يجعلها شريكًا طبيعيًا للمملكة في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للمنطقة.

وهنا تكمن أهمية العلاقة.

السعودية لا تحتاج إلى مصر بدلًا من أحد، ومصر لا تحتاج إلى السعودية بدلًا من أحد.

لكن كل دولة منهما تضيف إلى الأخرى.

قوة مصر البشرية والثقافية والحضارية، إلى جانب موقعها الجغرافي ودورها التاريخي، تلتقي مع الثقل الاقتصادي والاستراتيجي والسياسي للمملكة العربية السعودية.

وحين تلتقي هذه العناصر، فإن الناتج لا يكون مجرد شراكة ثنائية، بل يمكن أن يصبح قوة دفع عربية حقيقية.

ومن البحر الأحمر تبدأ حكاية أخرى.

ذلك البحر الذي لا يفصل مصر عن السعودية، وإنما يجمعهما.

على الضفة الغربية تقف مصر، وعلى الضفة الشرقية تقف المملكة، وبينهما ممر مائي يحمل في داخله تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا.

ومن قناة السويس إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى باب المندب، تبدو خريطة المنطقة وكأنها تقول إن الأمن المصري والسعودي ليسا ملفين منفصلين.

فاستقرار المنطقة مصلحة مصرية وسعودية وعربية، وأمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية مسؤولية تتطلب تعاونًا وتنسيقًا ورؤية بعيدة المدى.

وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، لم يعد كافيًا أن ننتظر ما يكتبه الآخرون عن منطقتنا.

علينا نحن أن نكتب روايتنا.

أن نكتب مستقبلنا.

أن نحدد مصالحنا.

وأن نعرف أن العروبة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تاريخية تفرض على الدول العربية الكبرى أن تتعاون من أجل شعوبها وأمنها ومستقبلها.

وهنا أتوقف أمام مصر والسعودية تحديدًا.

فالعلاقة بين البلدين ليست وليدة اللحظة، ولم تبدأ بزيارة مسؤول أو توقيع اتفاقية.

إنها علاقة أجيال.

كم من سعودي عاش في مصر، ودرس في جامعاتها، وعاش بين أهلها، وحمل منها ذكريات لا تنسى؟

وكم من مصري عمل في المملكة، وبنى مع أشقائه السعوديين قصص نجاح، وعاد إلى وطنه وهو يحمل للمملكة وأهلها مكانة خاصة في القلب؟

هذه هي السياسة الحقيقية التي لا تكتبها البيانات.

سياسة الشعوب.

فالبيانات الرسمية قد تنتهي بانتهاء المؤتمر، لكن الذكريات التي صنعتها الشعوب لا تنتهي.

والمصري حين يسمع اسم السعودية لا يتذكر فقط دولة شقيقة، وإنما يتذكر مكة والمدينة، والحرمين الشريفين، ومشاعر الملايين، ويتذكر أيضًا شعبًا عربيًا كريمًا تربطه به روابط الدين والدم واللغة والتاريخ.

والسعودي حين يأتي إلى القاهرة لا يأتي إلى مدينة غريبة، وإنما يأتي إلى عاصمة عربية تركت بصمتها في الثقافة والفن والإعلام والتعليم والسياسة العربية.

ولهذا كانت مصر دائمًا في وجدان العرب، وكانت السعودية دائمًا في قلب العالم العربي والإسلامي.

وليس غريبًا أن يقول الشاعر حافظ إبراهيم:

«أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي»

فمصر ليست فقط أرضًا وحضارة، وإنما ذاكرة عربية كاملة.

والسعودية أيضًا ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما أرض تحمل أعظم المقدسات الإسلامية، وتعيش اليوم مرحلة تحول اقتصادي واجتماعي وتنموي كبرى.

ومن هنا، فإن استقبال الأمير محمد بن سلمان في القاهرة يجب أن يكون استقبالًا للمستقبل، لا للماضي وحده.

نرحب به لأننا نؤمن أن العلاقات المصرية السعودية قادرة على أن تكون نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات العربية في القرن الحادي والعشرين.

تكامل لا تبعية.

شراكة لا وصاية.

احترام متبادل لا تنافس سلبي.

ومصالح مشتركة لا تلغي خصوصية أي دولة.

هذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل القاهرة والرياض مركزين لصناعة التوازن والاستقرار في المنطقة.

وفي زمن أصبحت فيه المنطقة العربية مسرحًا لصراعات دولية وإقليمية متشابكة، يصبح التقارب المصري السعودي أكثر من ضرورة سياسية؛ يصبح رسالة إلى كل من يراهن على تفكك العرب بأن هذه الأمة، رغم اختلافاتها، قادرة على أن تلتقي حول مصالحها الكبرى.

نحن لا نريد صراعًا مع أحد.

ولا نريد محورًا عربيًا ضد محور آخر.

ولا نريد أن تكون المنطقة ساحة لتصفية الحسابات.

نريد سلامًا يحفظ الكرامة، وأمنًا يحمي الأوطان، وتنمية تمنح الشباب العربي مستقبلًا يليق بهم، واقتصادًا يخلق فرصًا، وثقافة تعيد للعرب ثقتهم بأنفسهم.

وهذا هو اليوم التالي الذي نريده.

اليوم التالي الذي لا تكتبه القوى الكبرى وحدها.

اليوم التالي الذي لا تصنعه الأزمات.

اليوم التالي الذي يصنعه العرب بإرادتهم.

وفي هذه اللحظة، أرى أن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة تحمل معنى إنسانيًا خاصًا.

فوراء السياسة هناك إنسان.

ووراء البروتوكول شعوب.

ووراء الكلمات الرسمية أم وابن، وأب وابنة، وشاب يحلم بمستقبل أفضل، وأسرة تريد الأمان، وعامل يبحث عن فرصة، وطالب يريد أن يتعلم، ومواطن عربي يريد أن يرى بلاده قوية مستقرة عزيزة.

ولهؤلاء جميعًا يجب أن تعمل السياسة.

من أجل الإنسان العربي.

من أجل كرامته.

من أجل أمنه.

ومن أجل حقه في أن يعيش في وطن مستقر، وفي منطقة لا تسرق الحروب مستقبل أبنائها.

ولذلك فإنني، وأنا أرحب بسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في القاهرة، أقولها بكل محبة وصدق:

أهلًا بك في مصر.. أرض الكنانة.

أهلًا بك في بلد يعرف قدر المملكة العربية السعودية، ويعرف قيمة الشعب السعودي، ويحفظ للمملكة مواقفها وتاريخها.

أهلًا بك في القاهرة التي طالما فتحت قلبها لأشقائها العرب.

أهلًا بك بين شعبين تجمعهما المحبة قبل السياسة، والتاريخ قبل الاتفاقيات، والوجدان قبل المصالح.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الكلمات قول الشاعر:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنّوا عليَّ كرامُ

فالوطن عزيز، والأهل كرام، وما مصر والسعودية إلا وطنان شقيقان في قلب أمة واحدة.

وغدًا، عندما تفتح القاهرة أبوابها لولي العهد السعودي، فإنها لا تفتح أبواب القصر فقط، بل تفتح أبواب القلب.

ومن القاهرة إلى الرياض، ومن الرياض إلى القاهرة، تبقى الرسالة واحدة:

نختلف في التفاصيل، لكننا لا نختلف على الأخوة.

نتعاون من أجل المصالح، لكننا لا ننسى الإنسان.

ننظر إلى المستقبل، لكننا لا ننسى التاريخ.

ومصر والسعودية، حين تتعانقان، لا يتعانق بلدان فقط..

بل يتعانق قلبان عربيان.

وحين تتكامل القاهرة والرياض، فإنهما لا تصنعان شراكة ثنائية فحسب، بل تفتحان نافذة أمل أمام أمة عربية تتطلع إلى استعادة زمام المبادرة وكتابة مستقبلها بيدها.

فمرحبًا بمحمد بن سلمان في القاهرة..

ومرحبًا بالأخ السعودي في مصر..

ومرحبًا بكل جسر جديد يُبنى بين شعبين شقيقين.

حفظ الله مصر والسعودية، وحفظ شعبيهما، وأدام بينهما المحبة والأخوة، وكتب للمنطقة العربية الأمن والسلام والاستقرار.

د. جيهان شاهين

عضو مجلس النواب المصري

Share