صندوق النقد 770x500 1

كتبت/ نوران الرجال

طرح الدكتور هاني ابو الفتوح، الخبير الاقتصادي، تساؤلا مهم  حول برامج الاصلاح الاقتصادي المرتبطة بصندوق النقد الدولي، ومدى ملاءمة هذه البرامج للظروف المختلفة لكل دولة، مؤكدا ان الاصلاح الاقتصادي في حد ذاته امر ضروري، لكن المشكلة في طريقة تطبيقه وتوزيع تكلفته على المجتمع.

وفي النقاش الدائر حول برامج صندوق النقد، غالبا ما ينصب التركيز على ارقام التمويل، وسعر الصرف، وعجز الموازنة، وحجم الدين، ومدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

لكن هناك جانبا اخر لا يقل اهمية، وهو: ماذا يحدث للمواطن خلال فترة تنفيذ الاصلاح؟

ويرى ابو الفتوح ان التعامل مع برامج صندوق النقد باعتبارها وصفة واحدة يمكن تطبيقها بنفس الطريقة على جميع الدول امر يحتاج الى مراجعة، فكل اقتصاد له ظروفه الخاصة، سواء من حيث مصادر الدخل، او هيكل الانتاج، او مستوى الدخول، او طبيعة الدعم، او قدرة المواطنين على تحمل ارتفاع تكاليف المعيشة.

الاصلاح ضرورة.. لكن الفاتورة لا يجب ان يدفعها المواطن وحده

ويشير الخبير الاقتصادي الى ان الاجراءات المرتبطة ببرامج الاصلاح عادة  تستهدف معالجة الاختلالات الاقتصادية من خلال ضبط الانفاق، واعادة هيكلة الدعم، وتنفيذ اصلاحات هيكلية، الى جانب تعزيز دور القطاع الخاص.

وقد تكون هذه الاجراءات ضرورية لاعادة التوازن الى الاقتصاد، لكن المشكلة تظهر عندما تكون اثارها سريعة ومباشرة على المواطن، بينما تحتاج نتائجها الايجابية الى سنوات حتى تظهر.

وهنا السؤال الاصعب: هل يستطيع المواطن تحمل تكلفة الاصلاح اليوم، اذا كان العائد سيأتي في وقت لاحق؟

ارتفاع اسعار بعض السلع والخدمات او تقليص الدعم او زيادة تكلفة بعض المدخلات ينعكس على حياة المواطنين بصورة مباشرة، في حين ان زيادة الانتاج والاستثمار وخلق فرص العمل وتحسن الدخول تحتاج الى وقت وسياسات متكاملة حتى تظهر نتائجها.

نجاح البرنامج لا يقاس بالارقام فقط

ويؤكد ابو الفتوح ان الحكم على نجاح الاصلاح الاقتصادي لا ينبغي ان يقتصر على المؤشرات المالية والنقدية.

تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية مهم، لكنه ليس الهدف النهائي. الهدف الحقيقي هو ان يتحول هذا التحسن الى اقتصاد اكثر انتاجا، وفرص عمل افضل، واستثمارات حقيقية، ودخل اكثر استقرارا للمواطن.

فاذا تحسنت المؤشرات على الورق، بينما ظل المواطن لا يشعر بتحسن في حياته اليومية، فان هناك فجوة بين الاصلاح الاقتصادي وبين اثره الاجتماعي.

وهذه الفجوة تحديدا هي التي يمكن ان تجعل المواطن ينظر الى الاصلاح باعتباره مجموعة من الاعباء المتتالية، وليس مشروعا لتحسين المستقبل.

خصوصية كل دولة يجب ان تكون حاضرة

ومن وجهة نظر ابو الفتوح، فان اي برنامج اصلاح يحتاج الى مراعاة خصوصية الاقتصاد الذي يطبق فيه.

ما يصلح لدولة تعتمد بصورة كبيرة على الصناعة والتصدير قد لا يكون مناسبا بالدرجة نفسها لدولة تعتمد على الاستيراد او السياحة او الموارد الطبيعية او التحويلات.

كما ان قدرة المجتمعات على تحمل اجراءات الاصلاح تختلف من دولة الى اخرى، وبالتالي فان التوقيت والسرعة وترتيب الاولويات عوامل لا تقل اهمية عن الاصلاح نفسه.

فليس المطلوب رفض الاصلاح، وانما اصلاح طريقة الاصلاح، بحيث تكون هناك رؤية واضحة لكيفية حماية الفئات الاكثر تأثيرا، وفي الوقت نفسه دفع الاقتصاد نحو الانتاج والاستثمار.

المواطن يريد ان يرى نتيجة تحمله

والنقطة الاهم هنا  في هذا الملف، بحسب ابو الفتوح، هي ان المواطن يحتاج الى ان يرى نتيجة ملموسة لما يتحمله.

فمن الصعب مطالبة المواطن بمزيد من الصبر اذا كان لا يعرف الى اين يتجه الاقتصاد، ومتى يمكن ان يشعر بتحسن حقيقي في مستوى معيشته.

والاصلاح الذي لا يصاحبه نمو في الانتاج وفرص العمل وزيادة في الدخول، قد يتحول مع الوقت الى مجرد اجراءات لتخفيف الضغوط المالية، دون ان يعالج جذور المشكلة الاقتصادية.

لذلك، فان حماية المواطن لا تعني ايقاف الاصلاح، وانما تعني ان تكون هناك معادلة اكثر عدلا في توزيع تكلفته وعوائده.

صندوق النقد ليس الهدف

في النهاية، يجب الا يتحول الوصول الى اتفاق مع صندوق النقد او الحصول على شريحة تمويل الى هدف في حد ذاته.

الصندوق يمكن ان يكون جزءا من عملية الاصلاح، لكن الهدف الاكبر يجب ان يكون بناء اقتصاد قادر على الانتاج والمنافسة وتوفير فرص العمل وتحقيق نمو مستدام.

وهنا تصبح القضية اكبر من مجرد الحصول على التمويل او تحقيق مؤشرات مالية افضل.

الاصلاح الاقتصادي مطلوب، لكن المواطن لا يجب ان يكون الطرف الذي يدفع الفاتورة كاملة اليوم، ثم يطلب منه الانتظار حتى تستفيد الاجيال القادمة.

فالنجاح الحقيقي لاي برنامج اصلاح هو ان يشعر المواطن، في مرحلة ما، ان ما تحمله لم يذهب سدى، وان الاجراءات الصعبة التي تحملها انعكست بالفعل على الاقتصاد وعلى حياته اليومية.

Share