في الدول التي تحترم نفسها، لا تحتاج الصحافة إلى أن تدافع عن حقها في الوجود، لأنها ببساطة جزء أصيل من بنية الدولة، وركن من أركان توازنها. ليست الصحافة ترفًا، ولا مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل هي عين المجتمع التي ترى، وصوته الذي يتكلم، وضميره الذي يرفض أن ينام على فساد أو ظلم. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تُوصف بأنها السلطة الرابعة، ليس مجازًا، بل اعترافًا بدورها في مراقبة السلطات الثلاث الأخرى، وكشف ما قد تخفيه من أخطاء أو تجاوزات.
لكن ماذا يحدث عندما تتحول هذه السلطة الرقابية إلى هدف؟ ماذا يحدث عندما يصبح الصحفي، بدلًا من أن يكون مراقبًا، هو نفسه تحت المراقبة والضغط والتهديد؟ وماذا يعني أن يجد نفسه في مواجهة مباشرة، ليس فقط مع الفساد الذي يكشفه، بل مع بيئة تسمح لهذا الفساد بأن ينتقم منه، أو على الأقل تغض الطرف عن ذلك؟
في محافظة القليوبية، وتحديدًا في مدينة قها، لا تبدو هذه الأسئلة نظرية أو بعيدة عن الواقع، بل هي جزء من مشهد يومي يتكرر، ويكشف عن خلل عميق في العلاقة بين السلطة المحلية، وحق المواطن في التعبير، ودور الصحافة في الرقابة. فالقضية لم تعد مجرد خلاف بين صحفي ومسؤول، أو حتى بين صحفي ومخالف، بل أصبحت نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن يحدث عندما تغيب المحاسبة، ويتحول النفوذ إلى أداة للضغط، ويُترك القانون على الهامش.
القصة تبدأ من حيث يجب أن تبدأ أي قصة صحفية حقيقية: محاولة كشف خلل. مخالفات بناء، تقصير إداري، تساؤلات مشروعة حول أداء مجلس المدينة، مطالبات بالمحاسبة، وإصرار على أن يكون القانون هو الفيصل. لا شيء خارج عن المألوف في هذا السياق، بل هو جوهر العمل الصحفي ذاته. لكن ما لم يكن مألوفًا، هو ما تلا ذلك.
فبدلًا من أن تتحرك الجهات المختصة للتحقيق، وبدلًا من أن يُسأل المسؤولون عن أوجه القصور، بدأت ملامح مشهد آخر تتشكل، مشهد يحمل في تفاصيله ما يشبه الرسائل غير المعلنة، لكنها واضحة بما يكفي. القمامة تتراكم أمام أحد العقارات، بلا تفسير مقنع، وكأن المكان تم اختياره بعناية ليكون بؤرة للإهمال. بلاعات الصرف الصحي تُترك دون إصلاح، حتى تغرق الشارع بالمياه والروائح الكريهة، في صورة لا يمكن وصفها بأنها مجرد صدفة أو عطل عابر. أعمدة الإنارة تُطفأ، في توقيتات تثير الريبة، لتغرق المنطقة في الظلام، ويصبح الأمن الشخصي للسكان مهددًا، وتزداد فرص السرقة، التي لم تعد مجرد احتمال، بل واقع حدث بالفعل.
في هذا المشهد، لا يعود الحديث عن صحفي واحد، بل عن مجتمع كامل يُعاقب بطريقة غير مباشرة. سكان شارع أطلس في قها لم يختاروا أن يكونوا جزءًا من هذه المواجهة، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلبها، يدفعون ثمنًا لا علاقة لهم به. الروائح الكريهة تملأ المكان، الأمراض تلوح في الأفق، الإحساس بالأمان يتآكل، وكل ذلك يحدث في ظل صمت رسمي يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من إجابات.
هذا الصمت هو أخطر ما في الأمر. لأن السلطة، في مثل هذه الحالات، لا تُقاس فقط بما تفعله، بل أيضًا بما لا تفعله. حين ترى كل هذه الوقائع ولا تتحرك، فإنها، شاءت أم أبت، تصبح جزءًا من المشكلة. وحين تتكرر الشكاوى دون استجابة، يتحول الإهمال إلى نمط، والنمط إلى سياسة غير معلنة، لكنها محسوسة بكل تفاصيلها.
هنا يبرز دور محافظ القليوبية، بوصفه المسؤول الأول عن هذا المشهد. فالمحافظ ليس مجرد موظف يدير ملفات، بل هو رأس السلطة التنفيذية في المحافظة، وصاحب المسؤولية المباشرة عن أداء الأجهزة المحلية. ومن هذا المنطلق، فإن ما يحدث يضعه أمام اختبار حقيقي، ليس فقط في قدرته على إدارة الأزمات، بل في مدى التزامه بحماية حقوق المواطنين، وفي مقدمتهم الصحفيون.
لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود الخدمات أو الإهمال، بل تتجاوزها إلى مستوى أكثر خطورة، حين تبدأ رسائل التهديد في الظهور، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. الحديث عن الانتقام، ليس مجرد كلام عابر، بل هو مؤشر على مناخ يسمح بمثل هذه اللغة، وربما يشجع عليها. وهنا، لا يعود السؤال: هل هناك مشكلة؟ بل يصبح: إلى أي مدى يمكن أن تتفاقم هذه المشكلة؟
القانون، في صورته النظرية، واضح. حماية الصحفيين واجب، والاعتداء عليهم جريمة، وحرية التعبير مكفولة. لكن الفجوة بين النص والتطبيق هي ما يصنع الأزمات. فالقانون، مهما كان قويًا على الورق، يفقد قيمته إذا لم يُفعّل، وإذا لم يشعر المواطن بأنه محمي بالفعل، لا فقط في النصوص.
في ظل هذا الواقع، يجد الصحفي نفسه أمام معضلة وجودية. هل يستمر في أداء عمله، ويواصل كشف ما يراه من فساد، وهو يعلم أن ذلك قد يضعه في دائرة الخطر؟ أم يختار الصمت، ويتجنب المواجهة؟
هذا السؤال، في حد ذاته، يعكس حجم الأزمة. لأن وجوده يعني أن البيئة لم تعد آمنة للكلمة، وأن الحقيقة أصبحت عبئًا، بدلًا من أن تكون حقًا.
لكن الضمير، في كثير من الأحيان، لا يترك مساحة كبيرة للاختيار. لأن رؤية الفساد، والسكوت عنه، ليس أمرًا سهلًا لمن اختار هذه المهنة عن قناعة. الصحافة، في جوهرها، ليست وظيفة يمكن أداؤها بنصف قلب، أو بنصف موقف. إما أن تكون كاملة، بكل ما تحمله من مخاطر، أو لا تكون.
وهنا نصل إلى نقطة جوهرية: هل المطلوب من الصحفي أن يتستر على الفساد لأنه قريب، أو جار، أو صاحب نفوذ؟ هل يُطلب منه أن يغض الطرف عن مخالفات واضحة، فقط لتجنب المشكلات؟ وإذا فعل ذلك، ماذا يبقى من دوره؟ وماذا يبقى من معنى الصحافة أصلًا؟
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي حاولت إسكات الصحافة، لم تنجح في القضاء على الفساد، بل نجحت فقط في إخفائه مؤقتًا، قبل أن ينفجر بشكل أكبر. لأن الحقيقة، بطبيعتها، لا تختفي، بل تنتظر اللحظة التي تجد فيها من يكشفها.
وفي المقابل، فإن المجتمعات التي وفرت الحماية للصحفيين، واعتبرت النقد فرصة للإصلاح، استطاعت أن تتقدم، لأنها واجهت أخطاءها بدلًا من إنكارها.
ما يحدث في القليوبية اليوم، ليس مجرد واقعة عابرة، بل مؤشر على اتجاه يجب التوقف عنده. لأن ترك الأمور بهذا الشكل، دون تدخل حاسم، يعني فتح الباب لمزيد من التجاوزات، ليس فقط ضد الصحفيين، بل ضد أي مواطن يجرؤ على رفع صوته.
الدولة التي تحترم القانون، لا تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك، بل تتدخل قبل ذلك، لتمنعها. والدولة التي تحترم الصحافة، لا تكتفي بالشعارات، بل تترجمها إلى إجراءات، تحمي من يكتب، وتردع من يعتدي.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة، رغم كل التعقيد: لا يمكن أن تقوم دولة قوية، في ظل صحافة خائفة. ولا يمكن أن يتحقق إصلاح حقيقي، إذا كان من يكشف الفساد يدفع الثمن، بينما من يمارسه يفلت من المحاسبة.
ما بين الخوف والضمير، يقف الصحفي، ليس لأنه يريد البطولة، بل لأنه لا يملك رفاهية الصمت. وما بين السلطة والمسؤولية، يقف المسؤول، أمام اختبار لا يمكن تأجيله. فإما أن يكون القانون هو الحاكم، أو أن يترك المجال للفوضى، التي لا تفرق بين أحد.
وفي لحظة كهذه، لا يعود السؤال موجهًا إلى صحفي بعينه، بل إلى كل من يملك قرارًا: هل نريد دولة تحمي الكلمة، أم دولة تخشاها؟
وللحديث بقية


