الكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدةالكاتب الصحفي و رئيس التحرير ابراهيم العمدة

يستيقظ المواطن على “صدمة” الرصيد الذى “تبخر”، وباقة الإنترنت التى “انتهت” قبل موعدها، وحين يتواصل مع خدمة العملاء يدخل المواطن في جدال مع شركة المحمول.
وحين يقرر أن يشكو يصطدم بجدار اسمه “القاعدة”. الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، الجهة المنوط بها حمايته، لا يقبل شكواه إلا بعد مرور “48” ساعة كاملة على تقديم الشكوى للشركة نفسها. “48” ساعة ينتظر ويقف فيها المواطن عاجزاً بين خيارين أحلاهما مر: إما أن يشحن مرة أخرى ويخاطر بأن يُستنزف رصيده من جديد، أو أن يبقى “صامتاً” بدون اتصال ولا إنترنت حتى “ينتهي المهلة القانونية”.
أي منطق يقول إن من تعرض لضرر عليه أن ينتظر يومين قبل أن يجد من يسمعه؟ أي حماية هذه التي تشترط على المظلوم أن يبقى تحت وطأة الظلم حتى تكتمل المدة؟ المشكلة ليست في انتظار يومين، المشكلة أن هذين “اليومين” كافيان لتكرار الاستنزاف مرة واثنتين وثلاث. كافيان لأن يضطر الأب لشحن كارت جديد وهو يعرف أن باقة أولاده ستتبخر، وأن الموظف سيعطل عمله لأنه بلا نت، وأن الطالب سيغيب عن محاضرته لأنه بلا اتصال. البيروقراطية هنا لا تحل المشكلة، بل تمنح الشركة وقتاً إضافياً لممارسة نفس الخطأ.
والأمر يزداد تعقيداً حين ترفض بعض شركات المحمول إعطاء المواطن رقم شكوى أصلاً. يتصل بخدمة العملاء، يشرح، يجادل، وفي النهاية يغلق الخط بلا رقم ولا إثبات. وعندما يلجأ للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يقال له: لا نستطيع استقبال شكواك بدون رقم من الشركة. وهكذا يجد نفسه محاصراً بين طرفين، الشركة ترفض منحه الدليل، والجهاز يرفض الاستماع بلا دليل. المواطن في المنتصف، وحيداً، وعرضة للاستنزاف أو للرضوخ للأمر الواقع.
القاعدة التي وضعت لحماية الشركات من الشكاوى العشوائية تحولت إلى درع يحمي الاستنزاف المنظم. “48” ساعة ليست فترة فحص، هي فترة سماح للخطأ أن يتكرر. واشتراط رقم الشكوى مع غياب الإلزام على الشركات بإعطائه هو قفل يغلق الباب في وجه المشتكي. النتيجة أن المواطن يفقد الثقة، لا في الشركة فقط، بل في الجهة التي أنشئت لحمايته.
السؤال البسيط الذي يجب أن يُطرح: لماذا لا يستقبل الجهاز الشكوى فوراً ويبدأ فحصها بالتوازي مع مهلة الشركة؟ لماذا لا يُلزم كل شركة بإعطاء رقم شكوى تلقائياً مع تسجيل المكالمة، وتُحاسب الشركة التي تتهرب؟ الحماية الحقيقية لا تبدأ بعد يومين، تبدأ في اللحظة التي يشعر فيها المواطن أن هناك من يقف في صفه.
حتى تتغير هذه القاعدة سيظل المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة من رصيده الذي يختفي، ومرة من كرامته وهو ينتظر “48” ساعة ليثبت أنه على حق.
وللحديث بقية

Share