IMG 20260622 WA0092

 

بقلم : عمرو معبد

تعتبر قضايا المخدرات من أخطر الملفات التي تواجه المجتمعات والأنظمة القانونية حول العالم، نظراً لآثارها المدمرة على الأمن القومي، الاقتصاد، والصحة العامة. وفي قلب هذا الملف، يبرز صراع قانوني وفلسفي محتدم يتأرجح بين أمرين متناقضتين تماماً: الإعدام كأقصى درجات الردع، والبراءة كعنوان لسيادة القانون والشرعية الإجرائية.
أولاً: كفة الإعدام.. فلسفة الردع القاسي
تتبنى العديد من الدول تشريعات صارمة تصل إلى عقوبة الإعدام بحق مهربي وتجار المخدرات . وتنطلق هذه الفلسفة من مبدأ أن تاجر المخدرات “قاتل صامت” يستهدف تدمير عقول الشباب وبنية المجتمع، وبالتالي فإن القصاص منه يجب أن يكون رادعاً لغيره.
ومع ذلك، تواجه هذه العقوبة انتقادات دولية وحقوقية واسعة، ترتكز على أن الإعدام عقوبة لا رجعة فيها، وفي حال حدوث أي خطأ قضائي تكون الكارثة قد وقعت بالفعل، بالإضافة إلى الجدل حول مدى فعاليتها الحقيقية في الحد من انتشار الجريمة مقارنة بجهود التوعية والعلاج.
ثانياً: كفة البراءة.. قدسية الشرعية الإجرائية
على الجانب الآخر، تقف “البراءة” في قضايا المخدرات كمبدأ أصيل يحمي الأفراد من تعسف السلطة. في القانون الجنائي، “الشرعية الإجرائية” هي الأساس؛ فما بُني على باطل فهو باطل. الكثير من قضايا المخدرات تنتهي بالبراءة ليس لعدم وجود مخدرات، بل بسبب أخطاء جوهرية و التعدى على الشرعية الإجرائية في إجراءات الضبط والتفتيش، كمثال
التفتيش دون إذن قضائي مسبق أو في غير حالات التلبس القانونية.
بطلان إجراءات القبض أو اختلاق حالة التلبس.
عدم جدية التحريات أو التراخي في إرسال الأحراز للمعمل الكيماوي او العبث بالاحراز
لذلك دائما تتقدم المشروعية الإجرائية دائما عن موضوع الدعوي و تكون صحة الإجراءات بقدماتها وليس بما أسفرت عنه من أدلة و يستند الحكم إلى قاعدة ذهبية: إن تبرئة ألف متهم بطلاناً للإجراءات، خيرٌ للعدالة من إدانة بريء واحد بإجراء باطل. فالقانون يحمي المجتمع من الجريمة، ولكنه يحميه أيضاً من انتهاك حقوقه الدستورية.
الموازنة الحرجة
إن الصراع بين الإعدام والبراءة في قضايا المخدرات يفرض على المشرّع والقاضي مسؤولية استثنائية. فالعدالة الناجزة تتطلب ضرباً بيد من حديد على كبار التجار لحماية المجتمع، وفي الوقت ذاته، تفرض اليقظة التامة لضمان سلامة الإجراءات القانونية، حتى لا يضار بريء، وتظل المحاكمة العادلة هي الحصن الحصين للجميع.

Share